الذكاء الاصطناعي أم الغباء الاصطناعي؟ والكائنات الفضائية وصناعة الخطر القادم

محاكمة قرآنية لمنظومة الإضلال، وتوجيه الوعي، وصرف الأنظار عن الفاعل الحقيقي

الذكاء الاصطناعي أم الغباء الاصطناعي؟ والكائنات الفضائية وصناعة الخطر القادم
عبدالله جمعة المضاحكة
الاستماع

المقال كاملاً · 9 قسماً

المقدمة: من يصنع الخطر الذي تخاف منه البشرية؟

يُقدَّم للعالم اليوم الذكاء الاصطناعي باعتباره عقلًا جديدًا قد يتجاوز الإنسان، ويهدد مستقبله، وربما يخرج يومًا عن السيطرة. وبالتوازي، يُعاد إنتاج روايات الكائنات الفضائية والأجسام الطائرة المجهولة، حتى يبدو أن الخطر القادم على البشرية قد يأتي من آلة تتمرد، أو من كائنات مجهولة يُقال إنها قد تظهر من خارج الأرض.

لكن السؤال الذي يسبق هذه الروايات جميعًا هو: من يصنع هذه التصورات، ومن يملك أدوات نشرها، ومن يوجّه وعي الإنسان نحو الخطر الذي يريد منه أن يخشاه؟

في مشروع «تدبّر»، لا نكتفي بالصورة التي تُعرض على الجمهور، بل نحاكمها، ونبحث في مصدرها ووظيفتها والجهة التي تستفيد منها. فبينما ينشغل الناس بما قد تفعله الآلة في المستقبل، أو بما قد يأتيهم من عالم مجهول، تبقى منظومات بشرية قائمة تملك المال والتقنية والإعلام وأدوات التأثير في المعرفة والسلوك.

ومن هنا نبدأ بتصحيح المفاهيم، ثم نربط الوسائل الحديثة بالمسار القرآني الذي ندرسه في مشروع «النصيب المفروض».

أولًا: لماذا أسميه الغباء الاصطناعي؟

تسمية هذه التقنية «ذكاءً اصطناعيًا» تدفع كثيرين إلى تخيل عقل مستقل يمتلك الوعي والإدراك والإرادة، ويفكر كما يفكر الإنسان، بل ربما يتفوق عليه ويصبح تهديدًا لوجوده.

لكن حقيقة النظام أنه بنية حاسوبية تعالج البيانات، وتتعرف على الأنماط والعلاقات، وتنتج النصوص والصور والإجابات والحلول وفق نموذج مدرَّب وأدوات وتعليمات وضوابط تحكم عمله.

قد ينتج النظام إجابات لم يكتبها له أحد حرفيًا، وقد يحل مسائل معقدة بسرعة تفوق قدرة الإنسان، لكن ذلك لا يجعل منه إنسانًا واعيًا داخل جهاز.

فالإنسان لا يُختزل في تخزين المعلومات أو سرعة استرجاعها؛ بل يتعامل مع واقع متغير، ويفحص المسلّمات، ويختبر الادعاءات، ويراجع الأحكام، ويتحمل مسؤولية أفعاله.

ولهذا أستخدم تعبير «الغباء الاصطناعي» لكسر الصورة التي تُصنع حول هذه التقنية، لا لإنكار قدرتها الحسابية والتحليلية، بل لرفض تحويل المعالجة السريعة للمعلومات إلى أسطورة عن عقل مستقل يمتلك الحقيقة ويتحرر من المنظومة التي صنعته.

سرعة الإجابة ليست وعيًا، وكثرة المعلومات ليست حكمة، والإجابة المقنعة ليست برهانًا على الحقيقة.

ثانيًا: من يملك المعرفة التي يصل إليها الذكاء الاصطناعي؟

لفهم حقيقة هذه التقنية، لا بد من معرفة من يصممها، ومن يدرّبها، ومن يحدد مصادر معلوماتها وأدواتها وحدود عملها.

تختلف الأنظمة الاصطناعية بحسب بيانات التدريب، وتصميم النماذج، وإمكانات البحث والوصول إلى المعلومات الحديثة، والسياسات والتعليمات التي تحكم استجابتها. فبعض الأنظمة تستطيع البحث في الإنترنت، وبعضها يعمل ضمن معلومات محدودة، كما أن المعرفة الداخلية للنموذج لا تتجدد تلقائيًا بالضرورة كلما ظهرت معلومة جديدة.

وهنا تظهر المسألة الجوهرية:

من يتيح للنظام الوصول إلى المعلومات الجديدة؟ ومن يحدد الأدوات التي يستخدمها؟ وكيف يتعامل مع الادعاءات التي تخالف ما سبق أن تعلّمه؟ وما حدود المصادر والصلاحيات المتاحة له؟

إن الجهات التي تطوّر هذه الأنظمة وتشغّلها لا تملك الأجهزة فحسب، بل تتحكم في جوانب أساسية من تصميمها وتدريبها وأدواتها وضوابطها. ولذلك فإن ما يستطيع النظام الوصول إليه، والطريقة التي يعالج بها الطلبات، والمخرجات التي ينتجها، كلها ترتبط بالبنية التي أُعدّ للعمل ضمنها.

فإذا ظهرت معلومة جديدة ولم تصل إلى النظام، فلن تصبح جزءًا من معرفته الداخلية لمجرد أنها ظهرت في العالم. وإذا أُتيح له البحث، فإن قدرته على التحقق ستظل مرتبطة بالمصادر والأدوات التي يستطيع استخدامها وبمدى جودة الأدلة المتاحة.

لهذا لا يجوز التعامل مع إجابة النظام باعتبارها حقيقة مستقلة عن مصدر المعلومات وآلية معالجتها. فالآلة تنتج الإجابة، لكن المنظومة البشرية هي التي تصمم بيئة عملها وتحدد جانبًا أساسيًا من حدودها.

ثالثًا: الاختبار العملي يكشف حدود التقنية

لنفترض أن نظامًا اصطناعيًا تعلّم معلومات علمية حتى تاريخ معين، ثم ظهرت اكتشافات جديدة. إذا لم تُحدَّث معرفته ولم يُتح له الوصول إلى مصادر حديثة، فقد تظل إجاباته محكومة بما سبق أن تعلّمه، مهما بلغت سرعة معالجته.

ولنفترض أن شخصًا ادعى أن نظرية الجاذبية قد سقطت، وأن العلماء أخفوا الحقيقة عن الناس.

هل يكفي أن يصوغ الشخص ادعاءه بلغة مقنعة حتى يقبله النظام؟ أم ينبغي فحص الأدلة، ومقارنتها بالتجارب، ومراجعة الاستنتاجات؟

إذا امتلك النظام أدوات البحث والفحص، أمكنه مقارنة الادعاء بالمصادر والأدلة المتاحة. أما إذا افتقر إلى المعلومات والأدوات اللازمة، فقد يعجز عن التحقق من الوقائع الجديدة أو يقدم إجابة غير دقيقة.

وهذا الاختبار يكشف الفارق بين القدرة على إنتاج الإجابة والقدرة على التحقق من صحتها. كما يكشف أهمية فحص البيانات والأدوات والصلاحيات والقواعد التي تعمل ضمنها الأنظمة الاصطناعية.

فلا يكفي أن نسأل: ماذا أجاب الذكاء الاصطناعي؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: ما المعلومات التي اعتمد عليها؟ وما المصادر التي استطاع الوصول إليها؟ وما حدود قدرته على التحقق؟

إن النظام الذي يعالج المعلومات بسرعة كبيرة يظل مرتبطًا بما يتاح له من معلومات وأدوات. ومن يملك هذه البيئة التقنية ويديرها يملك قدرة مؤثرة على تحديد إمكانات النظام وطريقة استخدامه.

رابعًا: صناعة الخطر القادم وصرف الأنظار عن الفاعل

بعد تصحيح مفهوم الذكاء الاصطناعي، نعود إلى الخطاب الذي يحيط به: لماذا يُصوَّر للجمهور باعتباره عقلًا مستقلًا قد يتمرد على الإنسان؟ ولماذا يتحول السؤال من الجهات التي تملك التقنية وتستخدمها إلى الآلة نفسها وكأنها الفاعل المستقل؟

إن تصوير التقنية بهذه الصورة ينقل مركز الاهتمام من البشر الذين يصممونها ويملكونها ويوظفونها إلى خطر يُنسب إليها، وكأنها ظهرت من تلقاء نفسها وأصبحت صاحبة القرار.

وفي الوقت نفسه، تستطيع هذه التقنية إنتاج الصور والأصوات والمقاطع المزيفة، ومحاكاة الشخصيات، وتوليد الروايات، وتكرار الرسائل على نطاق واسع. وبذلك يمكن استخدامها في التضليل وصناعة الانطباعات وتوجيه الرأي العام.

هنا تتضح المفارقة: يُشغَل الجمهور بالخوف من آلة يُقال إنها قد تخرج عن السيطرة، بينما تُستخدم إمكانات الآلة نفسها في تشكيل ما يراه الناس ويسمعونه ويصدقونه.

السؤال الذي ينبغي أن يتقدم هو: من يملك هذه الأدوات، ومن يستخدمها، ومن يحدد الرسائل التي تصل إلى الجمهور، ومن يستفيد من نتائجها؟

هذه هي المحاكمة التي نريدها: ألا نكتفي بالخطر المعروض، بل نبحث في الفاعل الذي يملك الوسيلة ويوجه استخدامها.

خامسًا: الكائنات الفضائية — هل يُصنع عدوّ خارج الصورة لحجب الفاعل داخلها؟

يتكرر نمط صناعة الخوف في الروايات التي تتحدث عن الكائنات الفضائية والأجسام الطائرة المجهولة. تُعرض صور وأخبار وقصص عن أجسام غير معروفة، ثم تتوسع الروايات حتى يصبح الحديث عن كائنات مجهولة قد تزور الأرض أو تهدد البشرية جزءًا من التصور العام للمستقبل.

لكننا في هذا البحث لا نسلّم بهذه الروايات، ولا نتعامل مع الكائنات الفضائية باعتبارها حقيقة ثابتة. بل ننطلق من قراءتنا للخلق وحدود المجال الذي نعيش فيه، ونرفض تحويل المجهول إلى حقيقة مفروضة على الجمهور من دون برهان قرآني أو دليل معتبر.

يقول الله تعالى:

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾

[الرحمن: 33]

ويقول تعالى:

﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[الأنعام: 38]

ويقول سبحانه:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[النحل: 8]

نقرأ هذه الآيات ضمن التصور القرآني للخلق وحدود الإنسان، ولا نجعل عبارة «ويخلق ما لا تعلمون» تصريحًا بوجود كائنات فضائية تزور الأرض، كما لا نحول الروايات المتداولة إلى حقائق لمجرد تكرارها.

وفي إطار هذا البحث، نرفض أن تُفرض على البشرية رواية عدوّ يأتي من خارج المجال الذي تعيش فيه، بينما يجري صرف انتباهها عن الفاعل الموجود بين الناس، وعن الجرائم والوسائل والمنظومات التي يمكن فحصها في واقعهم.

فالمسألة ليست الانشغال بتفاصيل قصص الفضائيين، بل محاكمة صناعة الرواية نفسها: من ينشرها؟ ومن يضخمها؟ وكيف تتحول إلى مصدر خوف؟ وما الذي يغيب عن انتباه الجمهور حين يصبح العدو المجهول محور اهتمامه؟

وهكذا نعيد السؤال إلى موضعه: بدلًا من أن يُقاد الإنسان إلى انتظار خطر مفترض من الخارج، عليه أن يفحص القوى البشرية التي تملك أدوات التأثير في حياته، وتوجه المعلومات التي تصل إليه، وتستطيع أن تحجب عنه ما يجري في واقعه.

سادسًا: من الذكاء الاصطناعي إلى منظومة «النصيب المفروض»

في مشروع «النصيب المفروض»، لا ندرس الوسائل الحديثة منفصلة عن المسار القرآني الذي نبحث فيه الإضلال والتمنية والأمر وتغيير خلق الله.

يقول الله تعالى حكاية عن إبليس:

﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾

[النساء: 119]

تجمع الآية بين الإضلال والتمنية والأمر وتغيير خلق الله. ونحن نبحث في ترابط هذه الأفعال، وفي الوسائل التي يمكن أن تخدمها، وفي النتائج التي تظهر في حياة الإنسان والمجتمع.

فالتمنية تتصل بصناعة التصورات والوعود، والأمر يتصل بتوجيه السلوك، والإضلال يتصل بمسار صرف الإنسان عن الحق. ومن هذا المنطلق نفحص دور التقنية والإعلام والمعلومات في تشكيل الوعي، وصناعة الروايات، وتوجيه السلوك.

فالذكاء الاصطناعي قادر على توليد النصوص والصور والأصوات، ومحاكاة الشخصيات، وصناعة روايات متكاملة وتكرارها على نطاق واسع. وعندما تُستخدم هذه القدرات في التضليل أو توجيه الرأي العام، فإنها تمنح من يتحكم فيها وسائل متقدمة للتأثير في الإنسان.

لكن «النصيب المفروض» ليس اسمًا لأداة تقنية بعينها؛ فالأدوات تتغير وتتطور، بينما يستمر البحث في المنظومة التي ندرسها، وفي علاقات الإضلال والتمنية والأمر وتغيير خلق الله.

ومن هنا نربط بين التقنية والخطاب الإعلامي وصناعة الخوف، ونفحص كيف يمكن لهذه الوسائل أن تعمل ضمن منظومة أوسع لتوجيه الوعي وصرف الأنظار عن الفاعل والغاية والنتيجة.

سابعًا: إعادة السؤال إلى موضعه الصحيح

حين يُقال للإنسان إن الذكاء الاصطناعي قد يهدد البشرية، ينبغي ألا يتوقف عند السؤال: ماذا ستفعل الآلة بنا؟ بل يسأل: من يملكها؟ ومن يحدد أدواتها؟ ومن يستخدم قدراتها؟ ومن يتحمل مسؤولية نتائجها؟

وحين يُقال له إن كائنات مجهولة قد تهدد الأرض، لا ينبغي أن تتحول الرواية إلى حقيقة في ذهنه لمجرد انتشارها. عليه أن يفحص مصدرها ودليلها والوظيفة التي تؤديها في توجيه انتباه الجمهور.

هذا هو التحول الذي ندعو إليه: الانتقال من الخوف من الصورة إلى محاكمة من يصنعها، ومن الانشغال بالأداة إلى فحص من يتحكم فيها، ومن التسليم بالرواية إلى تتبع مصدرها وغايتها ونتائجها.

فالإنسان الذي لا يفحص مصادر معلوماته قد يصبح مستهلكًا للتصورات التي تُصنع له، مهما امتلك من المعرفة. أما حين يتدبر النصوص، ويفحص الأدلة، ويجمع العلاقات، فإنه يعيد بناء السؤال بدل أن يكتفي بالإجابة الجاهزة.

الخاتمة: لا تجعلوا الصورة تحجب الفاعل

إن ما يُسمّى ذكاءً اصطناعيًا هو منظومة تقنية تعالج المعلومات وفق نماذج وبيانات وأدوات وصلاحيات، وليس مجرد ظهور اسم جديد دليلًا على ولادة عقل إنساني مستقل.

والخوف من هذه التقنية لا ينبغي أن يحجب الجهات التي تملكها وتوجه استخدامها. كما أن الروايات المتعلقة بالكائنات الفضائية لا ينبغي أن تتحول إلى حقائق مفروضة تصرف انتباه الإنسان عن واقعه، وعن القوى البشرية التي تملك أدوات التأثير والتوجيه.

في مشروع «النصيب المفروض»، نقرأ الوسائل الحديثة ضمن المسار القرآني للإضلال والتمنية والأمر وتغيير خلق الله، ونتتبع تطور أدوات التأثير في الإنسان، وكيف يمكن توظيف المعرفة والتقنية والإعلام في تشكيل تصورات الناس وتوجيه سلوكهم.

ليست القضية مجرد آلة يُخاف منها، أو كائن مجهول يُنتظر ظهوره، بل منظومة ينبغي أن نبحث في أدواتها ووظائفها والجهات التي تديرها والنتائج التي تنتج عنها.

لا تجعلوا الآلة تبدو وكأنها الفاعل المستقل، ولا تجعلوا المجهول يحجب عنكم من يملك أدوات التأثير في واقعكم.

اقرؤوا النص، واجمعوا الآيات، وتدبروا العلاقات، وافحصوا الوسائل، وتتبعوا الفاعل والغاية والنتيجة.

فهذه هي محاكمة الوسائل الحديثة في إطار مشروع «النصيب المفروض»: كشف أدوات التأثير، وربطها بمسار الإضلال الذي ندرسه، وإعادة توجيه النظر إلى المنظومة التي تقف خلف الصورة، لا الاكتفاء بالخوف من الصورة نفسها.

مشروع «تدبّر» — قراءة القرآن من داخله.

رفيق القراءة