النصيب المفروض
عندما يكشف القرآن حدود قدرة إبليس ومهمته الخاصة: ما الفرق بين من يُغوى ومن يُتخذ؟
المدخل: من أين تبدأ قوة إبليس وأين تنتهي؟
من أين تبدأ قوة إبليس، وأين تنتهي؟ ربما يكون هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نبدأ منه قبل أن نسأل: من هم «النصيب المفروض» الذين تحدث عنهم إبليس؟ فالقرآن يكشف لنا أن قدرة إبليس على الإنسان ليست قدرة قهر وإجبار، وإنما قدرة إغواء ودعوة وتزيين.
﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
لكن إبليس نفسه يكشف حدود سلطانه يوم يقول:
﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾
إذن، إبليس يدعو، والإنسان يستجيب. إبليس يزين، والإنسان يختار. إبليس يأمر، والإنسان ينفذ. ومن هنا تظهر نقطة تستحق التدبر: إذا كانت قدرة إبليس الأساسية هي الإغواء والتزيين والدعوة، وإذا لم يكن له سلطان قهري على عباد الله، فكيف ينتقل تأثيره من التأثير المعنوي إلى فعل يحدث في الواقع؟
﴿ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴾
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
الغواية العامة والنصيب الخاص
إبليس أعلن مشروعه العام بوضوح:
﴿ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
فالغواية هنا عامة. لكن في موضع آخر يقول: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾. وهنا يظهر اختلاف يستحق الوقوف عنده: في الغواية العامة يقول ﴿أَجْمَعِينَ﴾، أما في النصيب فيقول ﴿مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا﴾. فالغواية تستهدف البشر عامة، بينما «الاتخاذ» يتعلق بنصيب منهم.
وهذا يجعل السؤال مختلفًا: هل «النصيب المفروض» مجرد عدد من البشر سيقعون في المعصية؟ أم أن إبليس يريد اتخاذ نصيب مخصوص من البشر لغاية تتجاوز مجرد إغوائهم؟ والآية نفسها تكشف ما يريد أن يفعله بهذا النصيب:
﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾
وهنا يبدو المسار واضحًا: اتخاذ ← إضلال ← أماني ← أمر ← طاعة ← تنفيذ ← تغيير. إبليس يضل، وإبليس يمني، وإبليس يأمر؛ لكن الذي يبتك ويغير هو الإنسان المستجيب.
ربما كان «النصيب المفروض» نصيبًا من البشر لا يريد إبليس مجرد إغوائهم، وإنما يريد اتخاذهم لغاية خاصة؛ بشرًا يستطيعون الانتقال من تلقي الوسوسة إلى تنفيذ ما تريده الوسوسة في الواقع.
لماذا يحتاج إبليس إلى الإنسان؟
إبليس يملك التأثير المعنوي، لكنه لا يملك القدرة البشرية المادية. هو يستطيع أن يوسوس، ويغوي، ويزين، ويمني، ويدعو. أما الإنسان فيملك الجسد، والإرادة، والمال، والسلطة، والمؤسسات، والقدرة على الحركة والفعل والتغيير في الواقع.
ولهذا يمكن أن نفهم «الاتخاذ» بصورة مختلفة: إبليس لا يحتاج فقط إلى إنسان يسمع وسوسته، إنه يحتاج إلى إنسان يحولها إلى فعل. إبليس يزرع الفكرة، والإنسان يحولها إلى واقع. إبليس يزين، والإنسان يختار. إبليس يأمر، والإنسان ينفذ. وعندما تجتمع القوة المعنوية مع القوة المادية، ينتقل تأثير الشيطان من عالم الوسوسة إلى عالم الواقع.
وهنا تكمن، في هذه القراءة، خصوصية «النصيب»؛ فليس كل من يُغوى بالضرورة يصبح أداة. قد يعصي الإنسان ثم يندم، وقد يضعف ثم يتراجع. لكن هناك فرقًا بين إنسان تغلبه وسوسة، وإنسان يحمل الفكرة، ويؤمن بها، ويدافع عنها، ويدعو إليها، ويملك القدرة على تنفيذها والتأثير بها في الآخرين. وهذا هو الفرق بين من يُغوى ومن يُتخذ.
فمن هو النصيب؟
إذا كان «النصيب المفروض» وظيفة خاصة، فإن السؤال التالي يصبح: ما مواصفات هذا النصيب كما يكشفها القرآن؟ القرآن لا يعطينا قائمة أسماء تحت عنوان «النصيب المفروض»، لكنه يعرض أمامنا صفات وأفعالًا يمكن أن نضعها موضع المقارنة. ومن أكثر المواضع إثارة للتدبر ما جاء في القرآن عن بعض الذين أوتوا الكتاب.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾
وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية: هؤلاء أوتوا نصيبًا من الكتاب، ومع ذلك يصف القرآن بعضهم بالإيمان بالجبت والطاغوت. ثم نجد صورة أخرى:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾
هنا لا يعود الأمر مجرد اعتقاد؛ هناك انتقال إلى الاحتكام. وهذا انتقال من الداخل إلى الخارج؛ من الاعتقاد إلى المرجعية، ومن المرجعية إلى السلوك. ثم يأتي الربط الصريح: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
عندما يصبح الهوى أقوى من الوحي
﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾
الكلمة اللافتة هنا: ﴿بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُم﴾. فالمشكلة في هذه الصورة القرآنية ليست بالضرورة غياب المعرفة؛ قد يكون الإنسان أمام رسالة يعرفها، لكنه يرفضها لأنها تصطدم بما تهواه نفسه. ثم يأتي التسلسل: الهوى ← الاستكبار ← التكذيب ← مقاومة الرسول ← القتل.
﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾
﴿ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾
وهنا ننتقل من مجرد انحراف داخلي إلى فعل خارجي شديد التأثير. لم يعد الإنسان مجرد متأثر بالوسوسة، بل أصبح قادرًا على تحويل موقفه الداخلي إلى فعل يواجه به الرسالة نفسها.
من الكتاب إلى الطاغوت
وعندما نجمع هذه الصور القرآنية، يظهر مسار يستحق التدبر: الكتاب ← الطاغوت ← الاحتكام ← الهوى ← الاستكبار ← التكذيب ← مقاومة الرسول ← القتل. وفي الجانب الآخر نجد كلام إبليس: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، ثم ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾، ثم ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾، ثم ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
هنا تظهر نقطة الالتقاء: إبليس يملك الإغواء، والإنسان يملك القدرة على التنفيذ. إبليس يملك التأثير المعنوي، والإنسان يملك القوة المادية. فإذا اجتمعت القوتان، أمكن للفكرة أن تتحول إلى فعل، وللفعل أن يتحول إلى تأثير في الآخرين والمجتمع والتاريخ. ومن هنا تصبح كلمة ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ أكثر أهمية؛ فالشيطان لا يقول فقط: سأغوي، بل يقول: سأتخذ.
لماذا هذا النصيب بالذات؟
إذا كان إبليس يستطيع إغواء الجميع، فلماذا يحتاج إلى «نصيب»؟ ربما لأن الغواية العامة ليست هي الوظيفة نفسها. الغواية العامة تعني محاولة التأثير في البشر جميعًا، أما «الاتخاذ» فيعني، في هذه القراءة، اختيار بشر يمكن أن تتحول استجابتهم إلى قوة تنفيذية.
فالنصيب ليس بالضرورة أكثر الناس عصيانًا، بل قد يكون أكثر الناس قابلية لتحويل الإغواء إلى فعل وتأثير. وهذا يفسر، في إطار هذه الفرضية، تسلسل الآية: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ تغيير التصور، ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ صناعة الأماني والرؤية، ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ تحويل الرؤية إلى طاعة، ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ تحويل الطاعة إلى فعل في الواقع.
وهنا يمكن فهم «النصيب» باعتباره حلقة الوصل بين القدرة المعنوية لإبليس والقدرة المادية للإنسان.
لماذا تظهر هذه الصورة في القرآن؟
عندما نبحث في القرآن عن مجموعة بشرية تظهر فيها بعض هذه الصفات مجتمعة، نجد في آيات متعددة وصفًا لبعض الذين أوتوا الكتاب: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾، ثم ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، ثم ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، ثم ﴿بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُم﴾، ثم ﴿فَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، ثم ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
هذه ليست أوصافًا اخترعها البحث، وإنما هي أوصاف وردت في القرآن. ومن هنا تأتي فرضية البحث: هل يمكن أن يكون «النصيب المفروض» الذي أعلن إبليس أنه سيتخذه من عباد الله مرتبطًا، في أحد أوجه التدبر، بمن وصف القرآن فيهم هذه الصفات؟ ليس لانتسابهم فحسب، وإنما لأن السؤال يتعلق بالصفات والوظيفة التي يكشفها النص القرآني.
﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ﴾
إذن الحديث هنا عن الفئة التي تنطبق عليها الأوصاف القرآنية، لا عن كل من انتسب إلى أهل الكتاب.
الطاغوت: نقطة التحول
ربما تكون كلمة «الطاغوت» إحدى أهم حلقات هذا البناء. فالإنسان عندما يؤمن بالطاغوت يتغير تصوره، وعندما يريد الاحتكام إليه تتغير مرجعيته، وعندما تتغير المرجعية يمكن أن تتغير الطاعة، وعندما تتحول الطاعة إلى تنفيذ، يصبح الإنسان قادرًا على تحويل الفكرة إلى واقع.
وهنا يلتقي ذلك مع كلام إبليس: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾. الأماني تصنع التصور، والأمر يصنع السلوك، والتصور والسلوك يصنعان القدرة على الفعل. ومن هنا يصبح الطاغوت ليس مجرد اسم، وإنما نقطة تحول في علاقة الإنسان بالمرجعية.
السؤال لم يعد فقط: ماذا يؤمن الإنسان؟ بل: إلى من يحتكم؟ ومن يطيعه؟ ومن يقدّم أمره عندما يتعارض مع الحق؟
النصيب قد لا يعرف أنه نصيب
وربما تكون هذه هي أخطر نقطة. فالإنسان الذي أصبح جزءًا من مشروع إبليس قد لا يعرف ذلك؛ قد يظن أنه يدافع عن الحق، أو يخدم دينه، أو يحمي جماعته، أو يبحث عن القوة، أو يحقق المصلحة.
لكن القرآن يلفت النظر إلى الاختبار الحقيقي: ماذا يحدث عندما يأتي الرسول بما لا تهوى النفس؟ هل يتبع الإنسان الوحي أم يستكبر؟ هل يحتكم إلى الحق أم يريد الاحتكام إلى الطاغوت؟ هل يستخدم إرادته أم يسلمها لمن يأمره؟ وهنا يتحول السؤال من «هل أنت مؤمن؟ » إلى: من هو مرجعك عندما يتعارض الحق مع هواك؟
الفرق بين العاصي والأداة
ليس كل عاصٍ أداة. قد يخطئ الإنسان ثم يندم، وقد تضعفه شهوة ثم يتراجع، وقد يقع في الذنب ولا يتجاوز أثره نفسه. لكن الإنسان الذي يحمل الفكرة، ويدافع عنها، ويدعو إليها، ويؤثر بها في الآخرين، ويمتلك القدرة على تنفيذها، يمثل مستوى مختلفًا تمامًا.
وهنا يصبح الفرق بين من يُغوى ومن يُتخذ فرقًا جوهريًا؛ فالعاصي قد يضر نفسه، أما الإنسان الذي تتحول استجابته إلى قوة، فقد يتحول إلى أداة تؤثر في الآخرين وتغير الواقع. ولهذا يمكن أن نفهم لماذا قال إبليس: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾.
هل النصيب قوة بشرية في مشروع إبليس؟
إبليس لا يملك الجسد البشري، ولا المال البشري، ولا المؤسسات البشرية، ولا السلطة البشرية المباشرة؛ لكن الإنسان يملك كل ذلك. ولهذا يمكن أن يكون الإنسان بالنسبة إلى إبليس أكثر من مجرد هدف: يمكن أن يكون وسيلة تنفيذ.
إبليس يملك القوة المعنوية، والإنسان يملك القوة المادية. إبليس يوسوس، والإنسان يفكر. إبليس يمني، والإنسان يضع الأهداف. إبليس يأمر، والإنسان ينفذ. فإذا اجتمعت القوة المعنوية بالقوة المادية، أصبحت الفكرة أكثر قدرة على صناعة الواقع. وهنا يمكن أن نفهم «النصيب المفروض» بوصفه نصيبًا له وظيفة خاصة، لا مجرد نصيب من العصاة.
الخلاصة: ليس السؤال من هم فقط، بل ماذا يفعلون؟
من وجهة نظري، تكشف الآيات عن مستويين في مشروع إبليس. المستوى الأول هو الغواية العامة: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وهي محاولة التأثير في البشر جميعًا. أما المستوى الثاني فهو النصيب الخاص: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾.
وهنا يظهر، في هذه القراءة، أن إبليس لا يريد مجرد عصاة، وإنما بشرًا يمكن أن تنتقل استجابتهم من المجال الداخلي إلى المجال الخارجي. فالشيطان يضل، ويمني، ويأمر؛ والإنسان يصدق، ويطيع، وينفذ. ومن هنا يصبح المسار: الغواية ← الإضلال ← الأماني ← الأمر ← الطاعة ← التنفيذ ← التغيير.
وهنا تطرح النظرية سؤالها المركزي: هل كان «النصيب المفروض» نصيبًا من بشر يمتلكون من القدرة والتأثير ما يجعلهم قادرين على تحويل الإغواء الشيطاني إلى قوة مادية في الأرض؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن أخطر ما يريده إبليس ليس أن يجعل الإنسان شريرًا فحسب، بل أن يجعله قويًا في خدمة الشر.
إبليس لا يريد الجميع بالطريقة نفسها: إنه يريد الجميع بالغواية، لكنه يريد نصيبًا منهم بالاتخاذ.
فالقرآن لم يعطنا قائمة أسماء تحت عنوان «النصيب المفروض»، لكنه كشف لنا مسارًا وصفات وأفعالًا يمكن أن نبحث من خلالها عن وظيفته. وربما كان هذا هو السؤال الأعمق الذي تتركه الآية: هل أخبرنا القرآن عن النصيب المفروض باسمه، أم كشفه لنا بوظيفته وصفاته وأفعاله؟
القرآن يُقرأ بالقرآن
وهنا تظهر أهمية التدبر في القرآن من خلال آياته نفسها، لا من خلال جعل التراث حاكمًا نهائيًا على ما يمكن أن تدل عليه الآيات. فالقرآن، في نظري، ليس نصًا أغلق معانيه زمن نزوله، بل هو كتاب هداية باقٍ، تتجدد قدرة الإنسان على اكتشاف آياته كلما تغير الزمان وتغيرت أسئلة الإنسان.
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾
والتدبر لا يعني أن نفرض على القرآن ما نريد، وإنما أن نترك الآيات تتحاور مع بعضها، وأن نبحث عن المفاهيم القرآنية داخل القرآن نفسه، وأن نضع الآية في سياقها، ثم نقارنها بغيرها من الآيات حتى تتشكل الصورة من داخل النص.
ومن هنا فإن السؤال عن «النصيب المفروض» لا يبدأ من: ماذا قال المفسرون عنه؟ بل يبدأ من القرآن نفسه: ماذا قال إبليس؟ ماذا أعلن عن هدفه؟ ما حدود قدرته؟ ماذا يستطيع أن يفعل؟ وماذا لا يستطيع؟ ومن هم البشر الذين يكشف القرآن عن صفاتهم وأفعالهم في سياقات مختلفة؟ ثم نترك الآيات تقودنا إلى النتيجة، لا أن نقود الآيات إلى نتيجة مسبقة.
وهذا لا يعني إلغاء التراث أو إنكار قيمته التاريخية، وإنما يعني ألا نجعل فهم البشر للقرآن أعلى من القرآن نفسه. فالتراث تجربة بشرية في فهم الوحي، أما القرآن فهو الوحي، والفرق بينهما جوهري. قد يصيب الإنسان في فهمه، وقد يخطئ، وقد يكتشف جيل معنى لم ينتبه إليه جيل سابق، ما دام ملتزمًا بحدود النص وسياقه ولا يدعي أن تدبره هو المعنى الوحيد القطعي للآية.
ولعل هنا تكمن إحدى عظمة القرآن: أنه لا ينتهي بانتهاء عصر. فالزمان يتغير، والأسئلة تتغير، والوقائع تتغير، لكن الآيات باقية، ويمكن للإنسان في كل زمان أن يعود إليها ويسألها من جديد. ولهذا لا ينبغي أن نخاف من السؤال، ولا من التدبر، ولا من إعادة النظر؛ فالقرآن لا يخشى أن يُقرأ، بل يدعو إلى أن يُتدبر.
﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾
فإن أعظم احترام للقرآن هو أن نثق بقدرته على أن يكشف لنا ما فيه، لا أن نفترض مسبقًا أن كل ما يمكن أن نفهمه منه قد قيل وانتهى. فالقرآن لا يطغى عليه فهم البشر، ولا تصبح أقوال البشر ميزانًا يُقاس به القرآن؛ بل العكس: القرآن هو الميزان الذي تُعرض عليه أقوال البشر.
«القرآن يطغى ولا يُطغى عليه» ليست مجرد عبارة بلاغية، وإنما مبدأ منهجي: نقرأ التراث ولا نقدّسه، ونستفيد من التفسير ولا نجعله حاكمًا على النص، ونحترم اجتهاد السابقين ولا نمنع الاجتهاد اللاحق.
فربما تكون بعض الآيات قد بقيت أمام أعين الناس قرونًا، لكن سؤالًا جديدًا هو الذي يكشف زاوية جديدة من دلالتها. وهذا، في جوهره، هو معنى التدبر: ليس أن نضيف إلى القرآن ما ليس فيه، وإنما أن نكتشف ما لم ننتبه إليه فيما هو فيه.
فالقرآن لا يحتاج إلى أن يطغى عليه التراث حتى نفهمه، بل يحتاج إلى أن نعود إليه. وكلما عدنا إليه بصدق، وسألناه بآياته، ووضعنا آياته بجوار آياته، ظهر لنا من هدايته ما يناسب الإنسان في زمانه. فالقرآن باقٍ، والإنسان متغير؛ ولذلك يبقى باب التدبر مفتوحًا. وربما لهذا السبب تحديدًا: القرآن يعلو ولا يُعلى عليه.
الهوامش
- [1]الترتيب المقترح هنا مستخرج من تسلسل الأفعال في الآية نفسها: الاتخاذ، ثم الإضلال، ثم التمنية، ثم الأمر، ثم فعل الإنسان.
- [2]المقصود بالهوى هنا ما يعرضه القرآن بوصفه مرجعية بديلة عن الوحي، لا مجرد ميل نفسي عابر.
- [3]الفرضية تُطرح للدراسة لا للحكم على أعيان الناس؛ والقرآن نفسه يمنع التعميم بقوله ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.
