أنا وبناتي

رحلة خاصة بلا مناسبة: أب يقتطع من الزمن أيامًا لبناته الثلاث، فيكتشفن أباهم قبل أن يكون أبًا، ويتعلم منهن أن الوداع لا يحتاج دموعًا.

أنا وبناتي
عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 5 قسماً

لم تكن الرحلة هذه المرة رحلة عائلية بكل أفرادها.

لدي أولاد وبنات، وكانت زوجتاي في قطر مع الأولاد، بينما قررت أن أصطحب بناتي الثلاث في رحلة خاصة بنا.

لم تكن هناك مناسبة محددة وراء القرار.

كنت فقط أشعر أن بناتي يكبرن بسرعة.

نور في الثالثة عشرة. واعية أكثر مما يوحي به عمرها، كثيرة الأسئلة، تراقب الأشياء بصمت، ثم تفاجئني بسؤال يجعلني أعود بذاكرتي سنوات إلى الوراء.

وفجر في الحادية عشرة. طيبة القلب، سريعة التأثر، تستطيع أن تحزن من أجل شخص لا تعرفه، أو تفرح لشيء صغير قد لا يلتفت إليه غيرها.

أما بدور، ذات الأعوام التسعة، فكانت ضحكة الرحلة. أينما ذهبت حملت معها شيئًا من الفرح، وإذا ساد الصمت وجدت سببًا لتضحك.

كنت أشعر أن السنوات تمضي أمامي بسرعة، وأن كل واحدة منهن ستكبر يومًا، وتصبح لها حياتها الخاصة، وأصدقاءها، وأحلامها، وربما بيتها الذي لن يكون لي فيه إلا مكان الأب الذي تزوره بين الحين والآخر.

فقلت في نفسي: لماذا لا أقتطع من الزمن أيامًا تكون لي ولهن وحدنا؟

أردت أن أخرج بهن من روتين البيت والمدرسة، وأن نمشي معًا بلا استعجال، وأن أسمع ما لا أسمعه في البيت، وأن أحكي لهن عن أبيهن قبل أن يكون أبًا.

كنت أريد أن يعرفن أنني كنت يومًا شابًا في الثامنة عشرة، يحمل أحلامًا ومخاوف، ويمشي في شوارع بريطانيا، ويزور المدن الأوروبية، ولا يعرف إلى أين ستأخذه الحياة.

وهكذا بدأت الرحلة. أنا وبناتي الثلاث.

من قطر إلى ميونخ

في المطار كان الوداع بسيطًا، لكنه لم يكن خاليًا من المشاعر.

كانت زوجتاي مع الأولاد يودعوننا. احتضنت البنات إخوتهن، وتعالت بعض الضحكات، ثم جاء وقت الرحيل.

نظرت إلى الأولاد، ثم إلى البنات الثلاث، وفكرت أن الأسرة الواحدة قد تكون في أماكن مختلفة، لكن القلوب تبقى مرتبطة.

صعدنا الطائرة. جلست البنات بجانبي. وبعد أن استقرت الطائرة في السماء، بدأت الرحلة الحقيقية.

وصلنا إلى ميونخ، وكان محمد، خال البنات، في انتظارنا. استقبلنا بابتسامته، ثم أخذنا بالسيارة باتجاه زيورخ.

ثلاث ساعات من الطريق. كانت البنات يتحدثن ويضحكن، وأنا أراقبهن من المرآة.

وفي لحظة سألتني نور:

— أبي، كيف كانت حياتك عندما كنت في عمرنا؟

ابتسمت. قلت:

— كانت مختلفة.

قالت:

— كيف؟

قلت:

— كنت أدرس في بريطانيا، وكنت أزور المدن الأوروبية كلما سنحت لي الفرصة.

ثم سألتني:

— وهل كنت تخاف وأنت بعيد عن أهلك؟

صمت قليلًا. ثم قلت:

— نعم، أحيانًا.

نظرت إليّ بدهشة. ربما كانت تلك أول مرة تفكر فيها أن أباها لم يكن دائمًا الرجل الذي تعرفه اليوم.

كان يومًا شابًا. وكان له خوفه وأحلامه ووحدته.

بدأت أحكي لهن عن تلك الأيام، عن المدن التي زرتها، والفنادق التي أقمت فيها، والأشخاص الذين عرفتهم.

كنت أحكي… وهن يكتشفن أباهن.

زيورخ وفنفونة

وصلنا إلى زيورخ. كان لنا أقارب يعيشون في الريف، واستقبلونا بحفاوة.

تعرفت البنات على فتيات في أعمارهن، وسرعان ما اختفت الغربة. أصبحت الضحكات تملأ المكان.

لكن طفلة صغيرة جذبتني إليها بطريقة لم أتوقعها. كان عمرها أربع سنوات. اسمها فنفونة.

في البداية كانت تنظر إليّ من بعيد. ثم اقتربت. وفي اليوم الثاني أصبحت تجلس بجانبي. وفي اليوم الثالث لم تعد تتركني.

إذا خرجنا أمسكت بيدي. وإذا جلست جاءت وجلست بجانبي. كنت أحملها وألاعبها.

وفي إحدى المرات، ونحن نتمشى في الريف، قطفت زهرة صغيرة ومدتها إليّ.

قلت:

— هذه لي؟

قالت:

— نعم.

قلت:

— لماذا؟

نظرت إليّ بعينيها الصغيرتين وقالت:

— لأنك تحبني.

ابتسمت. لم أعرف ماذا أقول. كانت طفلة في الرابعة، لكنها قالت جملة بقيت في قلبي.

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى كلمات كثيرة ليعرف أنه محبوب. تكفيه زهرة صغيرة من يد طفلة.

قضينا خمسة أيام جميلة في زيورخ. زرنا المدينة، ومشينا بجانب البحيرة، واستمتعنا بالطبيعة والريف، وجلست البنات مع صديقاتهن الجديدات.

ثم جاء اليوم الذي لم نكن نريده. يوم الرحيل.

بدأت الحقائب تتحرك، لكن القلوب بقيت مكانها.

فجر احتضنت إحدى صديقاتها وبكت. نور حاولت أن تخفي مشاعرها. أما بدور فكانت تسأل:

— لماذا لا نبقى يومين آخرين؟

ثم جاءت فنفونة. لم تكن تفهم معنى السفر، لكنها فهمت أنني سأغادر. ركضت نحوي.

— عمو!

حملتها. قالت:

— لا تروح.

قلت:

— سأرجع.

سألت:

— متى؟

صمت. ماذا يمكن أن أقول لطفلة في الرابعة عن المسافة بين زيورخ وقطر؟

احتضنتها. ثم أنزلتها. بدأت أمشي.

نادَتني:

— عمو!

التفت. كانت واقفة وتلوح بيدها الصغيرة. لوحت لها. ثم مشيت.

كنت ألتفت كل بضع خطوات. كانت لا تزال هناك. حتى اختفت عن عيني.

دخلنا القطار. جلست البنات. لم يتحدث أحد. انطلق القطار.

وبينما كانت زيورخ تبتعد، شعرت أن شيئًا مني بقي هناك.

بعد دقائق اهتز هاتفي. كانت رسالة صوتية. فتحتها.

كان صوت فنفونة، صغيرًا ومترددًا، وفيه شيء من الحزن:

— عمو… متى بترجع؟

أغلقت الهاتف. لم أستطع الرد. نظرت من النافذة. كانت الجبال تبتعد.

وفهمت أن بعض الوداعات لا تحتاج إلى دموع. يكفي سؤال طفل صغير حتى يؤلم القلب.

باريس… حين اجتمع الحزن والفرح

وصلنا إلى باريس. كان المطر يهطل على المدينة. ذهبنا إلى الفندق في شارع الشانزليزيه.

كان الحزن لا يزال معنا، لكن الأطفال لا يستطيعون الحزن طويلًا.

في اليوم التالي قالت بدور:

— أبي، نريد أن نذهب إلى برج إيفل.

قلت:

— إذن لنذهب.

خرجنا. وقفنا أمام البرج والمطر يلامس وجوهنا.

رفعت نور رأسها وقالت:

— كيف يكون الإنسان سعيدًا وحزينًا في نفس الوقت؟

نظرت إليها. قلت:

— لأن القلب يستطيع أن يحمل أكثر من شعور.

ضحكت بدور، وبدأت تقفز فوق برك الماء. ضحكت فجر. ثم ضحكت نور. وضحكت أنا. وعاد شيء من الدفء إلى الرحلة.

أحيانًا تكون أفضل طريقة لمواجهة الحزن أن نصنع ذكرى جديدة.

لندن… أبي قبل أن يكون أبًا

بعد باريس أخذنا القطار إلى لندن.

بالنسبة إليّ لم تكن لندن مدينة عادية. كانت جزءًا من شبابي.

ذهبت مع بناتي إلى هايد بارك…

*(يتبع)*

Tadbur.net

شارك المقال

معاينة مختصرة لصورة المادة وتفاصيلها عند المشاركة

رفيق القراءة