
آدم «عليه السلام»… حين يسقط الحاجز
لم آتِ إلى القاهرة هذه المرة سائحًا. جئت لألتقي برجل عرفني من خلال ما أكتب.
كان أبو محمد يتابع كتاباتي منذ أكثر من عام، وتبادلنا الرسائل حتى أصبحت أعرف عنه الكثير قبل أن أراه: موظفًا في أحد البنوك، يعمل ويكد من أجل أسرته؛ زوجته أم محمد، وأبناؤه الثلاثة.
محمد، الابن الأكبر، كان شابًا خلوقًا، يقف في تلك المنطقة التي يقف فيها كثير من الشباب بين متطلبات الحياة وطموحاتهم. يدرس في الجامعة، ويحاول أن يجد لنفسه طريقًا واضحًا وسط أسئلة المستقبل، وكأنه يبحث عن خارطة طريق يعرف بها إلى أين يمضي.
ومصطفى، الأصغر منه، كان أكثر هدوءًا وأقل كلامًا. لا يتدخل كثيرًا، لكنه يراقب ويلاحظ. عيناه تلتقطان التفاصيل قبل أن يتحدث، وكأن صمته ليس فراغًا، بل طريقة أخرى لفهم ما يدور حوله.
آدم… الطفل الذي لم يتجاوز الثامنة.
كان فيه شيء مختلف؛ براءة لا تحتاج إلى شرح، وإنسانية صافية لا تعرف الحسابات التي يتعلمها الكبار مع مرور العمر. كان آدم يتعامل مع الناس بقلبه قبل أن يسأل من يكونون، ولذلك ربما كان أول من جعلني أشعر أنني لم أعد غريبًا في بيت أبي محمد.
قبل أن ألتقي به، كان محمد قد قال لأبيه:
«خلي عبدالله ييجي عشان نلعب كورة معاه. »
وعدت، لكن سنة كاملة مرت قبل أن أصل.
خلال تلك السنة، كان آدم يسمع عني ويراني أحيانًا من بعيد. وكان فواز، ابني، يدخل أحيانًا في مكالماتي مع أبي محمد، ويتحدث مع آدم عبر الهاتف أو الرسائل.
فواز بقي في قطر، لكن آدم لم ينسه. وعندما وصلت إلى القاهرة والتقيته، نظر إليّ وكأنه يعرفني من قبل.
لم أكن بالنسبة إليه الرجل الذي جاء من مكان بعيد.
كنت ببساطة: «أبو فواز».
وقال شيئًا بلهجته الطفولية التي لم أفهم منها كل شيء: «الزيوه».
ضحكت؛ فقد سقط الحاجز الذي كان يمكن أن يجعلني غريبًا عنه.
لم نحتج إلى حديث طويل.
طفل، وكرة، ومكالمة هاتفية قديمة كانت كافية لتختصر مسافة سنة كاملة.
وحين جاء وقت مغادرتي إلى الفندق، فاجأني آدم بسؤال لم أتوقعه:
«أنت متروح الفندق؟ أنا عوزك تنام هنا… في بيتنا… في غرفتي. »
في تلك اللحظة، لم أشعر أنني ضيف. شعرت أنني دخلت بيتًا يعرفني فيه طفل لم يلتقني إلا منذ وقت قصير.
بيت صغير… ودفء أكبر من المكان
كانت أم محمد قد أصرت على أن نتغدى عندهم.
كان الطعام كثيرا ومتنوعا، والبيت جميل بما يحمل من دفئ، لكن شيئًا في استقبالهم كان أكبر من المكان.
جلست معهم، وتحدثنا، وضحكنا، وشربنا الشاي.
وفي القاهرة رأيت كثيرًا من هذه التفاصيل الصغيرة؛ ابتسامة، دعوة إلى الطعام، باب يُفتح لشخص لا يعرفونه جيدًا، وكأن الإنسان يستطيع أن يحمل شيئًا من الماضي دون أن يعرف اسمه.
لم أفكر وقتها في التاريخ. كنت أعيش اللحظة فقط.
لكن بعض اللحظات لا تعرف قيمتها إلا بعد أن تبتعد عنها.
القاهرة التي لا تراها العين بالطريقة نفسها
بعد الغداء، خرجت مع أبي محمد إلى القاهرة القديمة.
كنت قد زرت القاهرة من قبل، لكن الإنسان لا يرى المكان نفسه بالطريقة نفسها كل مرة.
هذه المرة كنت أمشي وأنا أسأل نفسي:
كم إنسانًا مر من هنا؟
كم مرة فُتح هذا الباب؟
كم جيشًا دخل؟
كم سلطانًا عبر؟
كم جنازة مرت من هذا الطريق؟
وكم شخصًا عاش حياته هنا ثم اختفى، بينما بقي الحجر؟
وصلنا إلى باب زويلة. وقفت أمامه طويلًا.
لم أكن أنظر إلى باب فقط؛ كنت أنظر إلى طبقات من الزمن بقي بعضها ظاهرًا على الحجر.
بُني الباب في العصر الفاطمي، ثم جاءت أزمنة أخرى، وتغيرت المدينة، وتعاقبت الدول، وبقي الباب.
المؤيد… السجين الذي عاد إلى سجنه
كان المؤيد شيخ أحد سلاطين المماليك. لكن قبل السلطنة، كان سجينًا.
سُجن في موضع عُرف بخزانة شمائل، وهو المكان الذي سيُقام فيه جامعه لاحقًا.
وفي السجن، نذر أنه إذا خرج من محنته وتولى السلطنة، فسوف يحوّل موضع سجنه إلى مسجد.
ثم حدث ما لم يكن يتوقعه السجين.
خرج.
وتولى السلطنة.
وعاد إلى المكان نفسه.
لكن هذه المرة لم يعد مقيدًا.
عاد سلطانًا.
هدم السجن، وأقام مكانه جامع المؤيد.
وشُيد الجامع بين 818 و824هـ، الموافق 1415–1421م، واستُخدم برجا باب زويلة أساسًا لمئذنتيه.
وقفت أتأمل المشهد.
السجن الذي كان يومًا شاهدًا على ضعفه، أصبح مسجدًا يحمل اسمه.
كم هو غريب ما يفعله الزمن بالإنسان!
قد يخرج الإنسان من محنته، لكنه لا يستطيع أن يخرج من ذاكرة المكان.
والمؤيد لم يمحُ ما سبقه.
بل بنى فوق…
قراءة الحوائط
وهنا بدأت أفكر في شيء مختلف.
الحائط لا يتكلم، لكنه يحتفظ بآثار من مروا عليه.
يمكن أن ترى طبقة قديمة، ثم إضافة، ثم ترميمًا، ثم تغييرًا.
يمكنك أن تقرأ المكان دون أن تجد كتابًا مكتوبًا أمامك.
يمكنك أن تسأل:
من بنى؟
من غيّر؟
من هدم؟
من أضاف؟
ومن حافظ؟
ومن ترك المكان حتى وصل إلينا؟
هذه هي قراءة الحوائط: أن ترى ما لا يقوله الحجر بالكلمات، لكن تقوله طبقاته.
حين تبقى الأشياء ويضيع الخيط
وأثناء وقوفي أمام باب زويلة، لم أستطع أن أمنع سؤالًا من الظهور:
إذا كان الإنسان يستطيع أن يقرأ طبقات الحجر، فلماذا لا يستطيع دائمًا أن يقرأ طبقات النص؟
لماذا نحتفظ بالأشياء، ثم نفقد أحيانًا العلاقة بينها؟
قد يبقى المسجد.
ويبقى الباب.
وتبقى أسماء السلاطين.
وتبقى كتب التاريخ.
وتبقى أسماء العلماء.
وتبقى قصص البطولات والهزائم.
لكن ما الذي يحدث إذا انقطع الخيط الذي يربط كل ذلك بعضه ببعض؟
عندها لا تختفي الأشياء، بل تبقى أمام أعيننا.
الذي يختفي هو معناها المتصل.
الحضارات لا تُبنى من لحظة واحدة.
جيل يبني، ثم يأتي جيل آخر فيضيف.
فكرة تُكتشف، ثم يأتي من يطورها.
خطأ يقع، ثم يتعلم منه من يأتي بعده.
مدينة تُبنى، ثم تتغير.
علم يظهر، ثم يفتح بابًا لعلم آخر.
وبطولة تنتهي، لكن العبرة منها يمكن أن تبقى.
هكذا تنتقل الخبرة من جيل إلى جيل.
ليس فقط من خلال الأشياء التي نتركها، وإنما من خلال القدرة على قراءة ما تركناه.
فإذا انقطع هذا الخيط، يمكن أن يبقى التراث كله أمام الإنسان، لكنه لا يعرف من أين يبدأ.
يبقى الحجر.
ويبقى الاسم.
وتبقى الحكاية في الكتب.
لكن العلاقة بينها تتراجع.
وعندها تتحول الحضارة من ذاكرة حية إلى آثار متفرقة.
آدم… والوقوف أمام المستقبل
عدت إلى آدم في ذاكرتي.
طفل لم يسألني عن تاريخ القاهرة.
لم يسألني من بنى باب زويلة.
ولم يكن يعرف شيئًا عن السلاطين الذين مروا من هنا.
كل ما كان يعرفه أن رجلًا اسمه عبدالله جاء من مكان بعيد، وأنه يستطيع أن يلعب معه كرة، وأنه يمكن أن ينام في غرفته.
لكن الطفل الذي لم يعرف الماضي كان يقف أمام المستقبل.
وهذا ما جعلني أفكر:
ماذا نترك للأطفال؟
هل نترك لهم الأشياء التي ورثناها فقط؟
أم نترك لهم القدرة على فهمها؟
هل نريد من آدم أن يحفظ أسماء الذين سبقوه؟
أم أن يعرف ماذا فعلوا، وأين أصابوا، وأين أخطأوا، وأين انتهوا، ومن أين يمكنه أن يبدأ؟
فالإنسان لا يرث الماضي ليعيش فيه؛ يرثه ليعرف كيف يبني بعده.
من الحجر إلى النص
ومن هنا انتقل السؤال في ذهني من الحجر إلى النص.
إذا كان الحجر يستطيع أن يحتفظ بطبقات الزمن، فربما كان النص يحتفظ بشيء أعمق.
ربما لا تكون المشكلة أن القرآن غاب.
فالقرآن حاضر.
المصحف حاضر.
الآيات محفوظة.
التلاوة حاضرة.
والكتب التي تحدثت عن القرآن كثيرة.
لكن ماذا لو كان الذي غاب هو الخيط الذي يصل الآيات بعضها ببعض؟
ماذا لو بقيت الأجزاء، بينما أصبحت الخريطة أقل حضورًا؟
قد يعرف الإنسان الآية.
ويعرف الحديث.
ويعرف الرواية.
ويعرف القصة.
ويعرف الحكم.
لكن هل يرى العلاقة التي تجمع هذه الأشياء في قضية واحدة؟
هنا يصبح الفرق كبيرًا بين أن تملك المعلومات، وأن تعرف كيف تقرأها.
لكن سؤالًا آخر بدأ يلحّ عليّ:
لماذا تحافظ أمم كثيرة في أمريكا وأوروبا على آثار أجيالها السابقة، وتصون مبانيها ومعالمها، وتحوّلها إلى ذاكرة حية يتعلم منها أبناؤها، بينما نجد في كثير من بلدان الأمة الإسلامية آثارًا وحضارات ومعالم تركتها الأجيال السابقة، ثم تُهمل أو تُترك للزمن، وكأن ما بناه الآباء لا يصلح ليكون أساسًا يبني عليه الأبناء؟
لماذا يستطيع طفل في الغرب أن يقف أمام مبنى عمره مئات السنين، فيتعلم من خلاله شيئًا عن تاريخ بلده، بينما قد يقف طفل في بلادنا أمام أثر عظيم فلا يعرف عنه إلا أنه «مبنى قديم»؟
المشكلة إذن ليست في الحجر وحده؛ المشكلة في الذاكرة التي يحملها الحجر.
فالأمم لا تبني حضارتها من الصفر في كل جيل؛ إنها تبني فوق ما تركه السابقون.
تحفظ إنجازاتهم، وتدرس أخطاءهم، وتصون آثارهم، ثم تضيف إليها طبقة جديدة من العمل.
أما حين يُهمل ما سبق، ينقطع الخيط بين الأجيال.
لا يعود التاريخ بناءً متراكمًا، بل يتحول إلى قصص متفرقة عن أناس ماتوا وانتهوا.
وهنا فهمت لماذا أعجبتني عبارة: «قراءة الحوائط».
فالحائط ليس حجرًا صامتًا.
في طبقاته تستطيع أن تقرأ الزمن:
من بنى؟
من غيّر؟
من رمّم؟
من أضاف؟
ومن حافظ على ما وجده؟
وإذا كانت الأمم تقرأ تاريخها في حجارتها، فلماذا لا نقرأ نحن تاريخنا بالطريقة نفسها؟
بل لماذا لا نسأل سؤالًا أعمق:
إذا كانت الحضارة تُبنى طبقة فوق طبقة، فماذا حدث للخيط الذي كان ينبغي أن يصل أجيال الأمة الإسلامية بعضها ببعض؟
قلت لأبي محمد
«هناك شيء لفت انتباهي في المصريين. »
أخبرته أنني، رغم ما أراه من صعوبة في الحياة، أرى كثيرًا من الناس يبتسمون ويضحكون ويستقبلون الغريب بكرم لا يبدو متناسبًا مع حجم ما يواجهونه.
لم أكن أقول إن الفقر جميل، ولا إن المعاناة فضيلة. كنت أتحدث عن شيء آخر: عن الروح التي قد تبقى حية رغم قسوة الظروف.
قلت له:
«زرت أمريكا وأوروبا، ورأيت مستويات عالية من التقدم والتنظيم والرفاه، لكنني في بعض الأماكن لم أشعر بهذه الروح المصرية نفسها؛ أن يبتسم لك إنسان لا يعرفك، أو يدعوك إلى بيته، أو يجلس معك وكأن بينكما معرفة قديمة. »
ربما كانت تلك تجربتي الشخصية، ولا أزعم أنها حكم على شعب كامل.
لكنني تساءلت:
هل يمكن أن تترك قرون الإيمان والتقاليد شيئًا في وجدان الناس يستمر حتى عندما تتغير الظروف؟
ابتسامة.
دعوة إلى الطعام.
كوب شاي.
باب يُفتح لغريب.
وطفل يقول لك:
«لا تذهب… ابقَ في غرفتي. »
أشياء صغيرة. لكن أحيانًا تختبئ روح الحضارات في الأشياء الصغيرة، لا في الشعارات.
الأمة… وبماذا تشهد؟
ومنذ ذلك اليوم، أصبح سؤال الشهادة أكثر حضورًا في ذهني.
إذا كانت الأمة شاهدة، فبماذا تشهد؟
الشاهد لا يكفيه أن يحمل شيئًا، ولا يكفيه أن يعرف أن الشيء موجود.
عليه أن يعرف ما الذي رآه.
وما الذي فهمه.
وما الذي يشهد عليه.
وهنا يصبح السؤال أكبر من حفظ النص.
كيف يمكن لأمة أن تشهد إذا لم ترَ الخريطة التي تربط القضايا التي تشهد عليها؟
قد يكون كل شيء موجودًا:
القرآن.
والروايات.
والتفاسير.
والتاريخ.
والأسماء.
والعلوم.
لكن إذا لم تعد العلاقة بينها واضحة، فقد يصبح الإنسان مثل من يقف أمام مدينة قديمة ويرى حجارتها كلها، لكنه لا يعرف كيف وصل بعضها ببعض.
وهنا لا تضيع الحجارة؛ الذي يضيع هو الطريق.
بقاء الأثر… وبقاء الحكاية
ربما لهذا بقي باب زويلة في ذاكرتي.
ليس لأنه أقدم شيء رأيته في القاهرة، بل لأنه جعلني أفكر في الفرق بين بقاء الأثر وبقاء الحكاية.
الحجر يستطيع أن يبقى مئات السنين.
لكن الإنسان هو الذي يقرر هل سيقرأه أم يمر أمامه.
والنص يمكن أن يبقى محفوظًا قرونًا.
لكن السؤال هو:
هل بقيت الطريقة التي تكشف علاقاته؟
هل بقيت الخريطة التي تجعل الآيات تقود إلى بعضها؟
هل بقيت القدرة على رؤية القضية كاملة بدل جمع أجزائها؟
وهل يمكن أن يكون حجب شيء ما عن الإنسان لا بإخفائه، وإنما بجعل أجزائه حاضرة دون أن يرى الرابط بينها؟
هذه ليست إجابة؛ إنها فرضية تستحق أن تُختبر.
ماذا سنترك لآدم؟
وهنا يعود آدم مرة أخرى.
تخيلت أنه بعد سنوات، سيقف أمام شيء تركناه له.
ربما كتاب.
ربما مدينة.
ربما بيتًا.
ربما فكرة.
وربما قرآنًا يحمله كما حملناه نحن.
السؤال ليس فقط: ماذا سيجد؟
السؤال:
هل سيعرف كيف يبحث؟
هل سيعرف كيف يسأل؟
هل سيعرف أن ما أمامه ليس أجزاء منفصلة، وأن وراء كل أثر طريقًا أوصل إليه؟
أهم ما يمكن أن نورثه للجيل القادم ليس أن نعطيه كل الإجابات، بل أن نعلّمه كيف يرى السؤال.
أن يقف أمام الباب ولا يرى خشبًا وحجرًا فقط.
أن يسأل:
من بناه؟
لماذا بقي؟
من مر من هنا؟
ماذا حدث؟
ماذا تعلم الذين سبقوني؟
وأين انتهوا؟
وأين أبدأ أنا؟
حين غادرت القاهرة
عندما غادرت القاهرة، لم أفكر أن آدم سيبقى في ذاكرتي أكثر من باب زويلة نفسه.
الحجر بقي في مكانه.
أما الطفل فكان يقف أمام المستقبل.
وفي الطريق إلى الفندق، أدركت أنني لم آخذ معي صورة لباب قديم فقط.
أخذت سؤالًا:
ماذا نترك لمن يأتي بعدنا؟
ليس ما حفظناه فقط.
ولا ما جمعناه فقط.
ولا ما ورثناه كما هو.
بل القدرة على أن يقرأ ما ورثناه، وأن يرى العلاقات التي بين أجزائه، وأن يعرف أين انتهى السابقون وأين يبدأ هو.
لأن الخطر ليس أن تضيع الأشياء كلها.
الخطر أن تبقى الأشياء كلها، ثم يضيع الخيط الذي يصل بينها.
عندها يبقى الحجر.
وتُطوى الحكاية.
ويبقى النص.
وتغيب الخريطة.
ويبقى الماضي أمام العين.
لكن الطريق إلى المستقبل يصبح غامضًا.
وحين أتذكر آدم، أتذكر سؤاله البسيط:
«أنا عوزك تنام هنا… في غرفتي. »
كان يريد أن يجعل لي مكانًا في عالمه الصغير.
وربما كان السؤال الذي بقي معي منذ ذلك اليوم هو:
ماذا سنترك نحن مكانًا له في العالم الذي سيأتي بعدنا؟
هل سنترك له ما ورثناه فقط؟
أم سنترك له الطريق الذي يساعده على فهم ما ورثه؟
باب زويلة بقي خلفي.
وآدم بقي أمامي.
وربما كان هذا هو السؤال الذي ظل يلاحقني منذ وقوفي أمام تلك الحجارة:
ماذا يفعل الإنسان حين يتمكّن؟
فالقوة لا تكشف فقط ما يستطيع الإنسان أن يفعله، بل تكشف شيئًا مما استقر في داخله.
الكريم، إذا تمكن من الأذى، ترده أخلاقه عنه، فيترك للصلح مكانًا.
أما الذي يحمل الأذى في نفسه، فإذا جاءه التمكين، ظهرت قدرته على الأذى، واتسع أثرها بقدر ما اتسعت قدرته.
ومن هنا عاد إليّ سؤال النصيب المفروض.
إذا كان القرآن قد تحدث عن نصيب مفروض، ثم ربطه بالإضلال والتمنية والأمر والتغيير، فإن السؤال لا يتوقف عند الماضي:
ماذا يحدث عندما يصل أصحاب هذا النصيب إلى التمكين؟
وفي هذا العصر، حيث أصبح لليهود، وبخاصة إسرائيل بوصفها دولة، نفوذ وقدرة وتأثير واسع، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
هل يكشف التمكين أخلاق صاحبه؟
هل تتحول القدرة إلى حماية للإنسان والضعيف، أم إلى أداة للسيطرة والأذى؟
وهنا لا يكون السؤال عن اليهود بوصفهم جماعة دينية أو عن كل إنسان يهودي، وإنما عن الفئة التي يحددها البحث القرآني، وعن السلوك الذي يمكن اختباره في الواقع.
فالنصيب المفروض، إذا كان له امتداد في التاريخ، لا يُثبت بالشعارات، ولا بالأنساب، ولا بالأسماء.
إنما يُختبر عند التمكين.
وهنا تذكرت الأبيات:
إنَّ الكريم إذا تمكن من أذىً — جاءتْه أخلاقُ الكرام فأقلعا > > وترى اللئيمَ إذا تمكن من أذىً — يطغى فلا يُبقي لصلحٍ موضع
فربما كان التمكين هو اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة.
فمن كان كريمًا، زادته القدرة ضبطًا.
ومن كان يحمل الأذى، كشفت له القدرة الطريق إليه.
وهكذا لا يعود السؤال:
من يملك القوة؟
بل:
ماذا يفعل بها حين يملكها؟
وهنا بقي آدم أمامي.
طفل صغير لا يعرف شيئًا عن السلاطين ولا السجون ولا الحروب ولا التاريخ.
لكنه يمثل الجيل الذي سيأتي بعدنا.
والسؤال الذي سنتركه له ليس فقط ماذا حدث في الماضي، ولا من امتلك القوة، ولا من انتصر.
بل:
حين تمكن الذين سبقونا… ماذا فعلوا بالإنسان؟
فمن هنا تبدأ قراءة التاريخ.
ومن هنا يُختبر النصيب المفروض.
ومن هنا نعرف الفرق بين من يملك التمكين، ومن يملكه التمكين.
وبينهما بقي السؤال:
حين يصل الجيل القادم إلى ما تركناه له، هل سيجد الأشياء فقط… أم سيجد الخيط الذي أوصل بينها؟
الخطر ليس أن تضيع الأشياء كلها، بل أن تبقى الأشياء كلها، ثم يضيع الخيط الذي يصل بينها.
