أرمجدون: نبوءة تنتظر التحقق أم مشروع بشري لصناعة النبوءة؟

تجربة فكرية في ما يحدث حين تنتقل فكرة أخروية من عالم النص والتأويل إلى عالم السياسة والقوة والتكنولوجيا.

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 9 قسماً

ماذا لو بلغ العالم مرحلة غير مسبوقة من التقدم؟

ماذا لو أصبحت البشرية قادرة على بناء مدن هائلة، وإنتاج غذاء يكاد يقضي على المجاعات، وإنشاء اقتصادات مترابطة، وأنظمة تعليم متقدمة، ووسائل نقل تجعل الانتقال بين القارات أمرًا عاديًا، وعلومًا وتكنولوجيا تمنح الإنسان قدرات لم يكن أسلافه يتخيلونها؟

وماذا لو، وسط هذا التقدم الحضاري الهائل، بقيت جماعة تؤمن بأن التاريخ يتحرك وفق نبوءة قديمة، وأنها جماعة مختارة، وأن لها دورًا استثنائيًا في الأحداث الأخيرة من التاريخ، وأن ظهور المخلّص مرتبط بتحقق أحداث محددة؟

وماذا لو تجاوز هذا الاعتقاد حدود العقيدة الدينية الفردية، وأصبح مرتبطًا بمراكز سياسية واقتصادية وعسكرية وتكنولوجية تمتلك تأثيرًا حقيقيًا في مسار الأحداث؟

ماذا لو اعتقد أصحاب هذا التصور أن الخلاص لن يتحقق إلا بعد وقوع مواجهة كبرى، وأن الحرب الأخيرة ليست كارثة يجب منعها، وإنما حدثًا مقدرًا ينبغي أن يقع حتى يتحقق الوعد بالخلاص؟

وماذا لو امتلك هؤلاء، في الوقت نفسه، من التكنولوجيا والموارد ما يسمح لهم بحماية أنفسهم من آثار حرب مدمرة، من خلال منشآت محصنة تحت الأرض، ومخزون من الغذاء والمياه والطاقة، وأنظمة قادرة على إبقاء مجتمعهم حيًا حتى بعد انهيار العالم الخارجي؟

هنا تظهر الفرضية الأكثر رعبًا:

ماذا لو أصبح الإيمان بالخلاص سببًا في صناعة الكارثة التي يُعتقد أنها ستقود إلى الخلاص؟

ماذا لو دخل العالم حربًا عالمية ثالثة، لا لأن جميع الأطراف أرادوا الحرب، وإنما لأن بعض أصحاب القرار رأوا فيها وسيلة لتحقيق نبوءة أو التعجيل بظهور المخلّص؟

وماذا لو أصبحت البشرية، بكل ما وصلت إليه من علم وفن وتعليم واقتصاد وحضارة، عاجزة عن إيقاف الحرب لأن أصحاب القرار يؤمنون بأن نهايتها ليست نهاية العالم، وإنما بداية عالم جديد؟

عندها تظهر مفارقة مخيفة:

الإنسان الذي استطاع أن يبني مدنًا فوق الأرض، قد يبني مدنًا تحت الأرض استعدادًا لتدمير الأرض.

والإنسان الذي جعل العالم قرية واحدة بوسائل الاتصال والنقل، قد يستخدم التكنولوجيا نفسها لتحويل العالم إلى ساحة حرب واحدة.

والإنسان الذي حلم بتحسين حياة البشر، قد يصل إلى مرحلة يرى فيها موت الملايين ثمنًا ضروريًا للوصول إلى الخلاص.

لكن السؤال الأعمق هو:

هل الخلاص الذي يحتاج إلى إبادة الآخرين يمكن أن يكون خلاصًا إلهيًا، أم أنه تصور بشري للخلاص؟

وهل يمكن للنبوءة، عندما تنتقل من عالم الاعتقاد والتأويل إلى عالم السياسة والقوة والتكنولوجيا، أن تتحول من شيء يُنتظر وقوعه إلى شيء يحاول الإنسان بنفسه أن يصنعه؟

وهل أخطر ما يمكن أن تواجهه البشرية ليس مجرد الإيمان بنهاية العالم، وإنما امتلاك القوة الكافية لمحاولة تحقيقها؟

هل لهذه الفكرة جذور دينية؟

إذا انتقلنا من الفرضية إلى البحث في جذورها التاريخية، نجد أن بعض النصوص والتقاليد اليهودية والمسيحية تتضمن تصورات عن الخلاص، والمخلّص، والعودة، والصراعات السابقة للعصر المسياني، والحرب الأخيرة.

لكن من الضروري عدم اختزال هذه التقاليد في تصور واحد.

أولًا: التوراة والنصوص العبرية

التوراة نفسها لا تقدم مفهوم «أرمجدون» بالصيغة المتداولة اليوم.

لكن النصوص العبرية تتضمن موضوعات أصبحت لاحقًا جزءًا من التصورات الأخروية، مثل العهد، والاختيار، والأرض، والتشتت، والعودة.

ومن النصوص ذات الصلة: التثنية 30 ويتناول التشتت ثم العودة والاجتماع؛ وإشعياء 11 ويتحدث عن شخصية من نسل داود ومرحلة مستقبلية من السلام؛ وحزقيال 37–39 ويتناول عودة إسرائيل، ثم هجوم «جوج» على الأرض، ثم تدخل إلهي وانتصار.

ويُعد حزقيال 38–39 من النصوص المهمة في دراسة تطور التصورات اللاحقة عن الحرب الأخروية.

ثانيًا: التلمود

في الأدبيات التلمودية تظهر نقاشات حول أيام الماشيح وعلامات اقترابها، وما يعرف في بعض النصوص بـ «حِبْلَي الماشيح»، أي الآلام والمحن التي تسبق الخلاص.

ومن المواضع المهمة سنهدرين 97–99، حيث نجد آراء متعددة حول طبيعة المرحلة التي تسبق العصر المسياني.

لكن من الخطأ التعامل مع التلمود باعتباره كتابًا يقدم عقيدة أخروية موحدة؛ فهو يتضمن نقاشات وآراء مختلفة، وأحيانًا متعارضة.

ثالثًا: الكابالا والزوهار

في بعض التقاليد الكابالية، وخصوصًا المرتبطة بالزوهار، تطورت تصورات أكثر تعقيدًا عن الخلاص، والمسيّا، والمراحل السابقة للتحول النهائي.

وهنا لا يعود الخلاص مجرد حدث سياسي أو عودة جغرافية، بل يمكن أن يُفهم باعتباره تحولًا روحيًا وكونيًا يعيد ترتيب العلاقة بين العالم الإلهي والعالم المادي.

وهذا يجعل دراسة الكابالا مختلفة عن دراسة التلمود، ولا ينبغي دمجهما في تصور واحد.

رابعًا: أين تظهر «أرمجدون»؟

هنا يجب تصحيح نقطة تاريخية مهمة: مصطلح «أرمجدون» نفسه ليس مصطلحًا توراتيًا أو تلموديًا أو كاباليًا.

فهو يظهر في سفر رؤيا يوحنا 16: 16 ضمن الأدبيات المسيحية، ومن هنا ارتبط في التقليد المسيحي بمشهد المعركة الأخيرة.

لذلك فإن القول بوجود سلسلة مباشرة: التوراة ← التلمود ← الكابالا ← أرمجدون، ليس دقيقًا تاريخيًا.

والأدق أن نتحدث عن تداخل وتطور طويل للتصورات الأخروية اليهودية والمسيحية، ثم عن قراءات لاحقة جمعت بين عناصر متعددة من هذه التقاليد.

من النبوءة إلى الجغرافيا السياسية

وهنا تصبح فرضيتنا أكثر إثارة: العهد القديم، ثم الاختيار والعهد والأرض والعودة، ثم التقاليد اليهودية اللاحقة، ثم المسيّا وعلامات الخلاص وآلام ما قبل الخلاص، ثم التلمود والمدراش وتطور التصورات الأخروية، ثم الكابالا والزوهار وتصورات الخلاص والتحول الكوني، ثم التقاليد المسيحية الأخروية والمعركة الأخيرة وأرمجدون، ثم القراءات الحديثة، وأخيرًا إمكانية انتقال النبوءة من عالم التفسير إلى عالم السياسة والجغرافيا السياسية.

وهنا يظهر السؤال الذي يستحق البحث فعلًا:

ماذا يحدث عندما تنتقل فكرة أخروية من عالم النص والتأويل الديني إلى عالم السياسة والقوة العسكرية والتكنولوجيا؟

أين تكمن الخطورة؟

الخطورة لا تكمن في الإيمان بالنبوءة بحد ذاته، ولا في الانتماء إلى دين معين، وإنما في احتمال اجتماع مجموعة من العوامل في مشروع سياسي واحد: اعتقاد أخروي مطلق، وشعور بالاختيار أو الاستثناء، وسلطة سياسية، وتفوق عسكري، وتكنولوجيا هائلة، والاعتقاد بأن الكارثة شرط للخلاص.

عندها يمكن أن تظهر ستة مخاطر رئيسية.

أولًا: تحويل الحرب من كارثة إلى وسيلة للخلاص. فإذا اعتُبرت الحرب الكبرى مرحلة ضرورية لظهور المخلّص، فقد يصبح منعها أقل أهمية لدى من يؤمن بهذا التصور.

ثانيًا: إضفاء القداسة على القرار السياسي. فإذا اعتقد صاحب القرار أن أفعاله تحقق إرادة إلهية أو نبوءة مقدرة، فقد يصبح التراجع أو التسوية أصعب؛ لأن التنازل قد يُنظر إليه باعتباره تعطيلًا للخطة الإلهية.

ثالثًا: تضاعف الخطر في العصر النووي. فالحرب الحديثة ليست حرب جيوش تقليدية فقط؛ ووجود الأسلحة النووية والبيولوجية والسيبرانية والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة يجعل فكرة «الحرب الأخيرة» أكثر خطورة بكثير مما كانت عليه في العصور القديمة.

رابعًا: فكرة النجاة المنفصلة. ماذا لو اعتقدت نخبة ما أنها تستطيع حماية نفسها داخل منشآت محصنة، بينما يتحمل بقية البشر نتائج الحرب؟ عندها يمكن أن يظهر تصور بالغ الخطورة: نحن سننجو، والعالم الآخر سيدفع ثمن التحول.

خامسًا: تحويل البشر إلى أدوات في نبوءة. فعندما يُنظر إلى ملايين البشر باعتبارهم مجرد عناصر في سيناريو أخروي، يفقد الإنسان قيمته باعتباره فردًا له حياة وكرامة وحق في البقاء.

سادسًا: النبوءة التي تصنع نفسها بنفسها. وهذه ربما أخطر نقطة في الفرضية كلها: إذا قيل إن حدثًا معينًا سيقع، ثم بدأ أصحاب القوة يتصرفون سياسيًا وعسكريًا لكي يقع هذا الحدث، فإن النبوءة لم تعد مجرد توقع للمستقبل؛ لقد أصبحت محفزًا لصناعة المستقبل.

وهنا يعود السؤال إلى نقطة البداية: ماذا لو اجتمع الإيمان بالخلاص، والاعتقاد بالاختيار، والسلطة السياسية، والتفوق العسكري، والتكنولوجيا الحديثة، في يد واحدة؟

فهل يصبح أرمجدون عندها مجرد نبوءة تنتظر التحقق… أم مشروعًا بشريًا لصناعة النبوءة؟

رسالة إلى كل يهودي ما زالت في قلبه ذرة من الإنسانية

لا تسمحوا لأي قراءة للنبوءة أن تجعل من الحرب قدرًا يجب أن تساعدوا على تحقيقه، ولا تسمحوا لأي خطاب سياسي أو ديني أن يقنعكم بأن خلاصكم يحتاج إلى هلاك الآخرين.

لا تجعلوا الإيمان بالمخلّص أو انتظار نهاية الزمان مبررًا لموت الأبرياء، ولا تجعلوا أبناءكم وأبناء الآخرين وقودًا لنبوءة أو مشروع سياسي.

إذا كان الخلاص وعدًا إلهيًا، فالله قادر على تحقيقه دون أن تحتاجوا إلى صناعة الكارثة بأيديكم.

ولا تنخرطوا جميعًا في أي مشروع يدفع العالم نحو حرب لا يمكن التحكم في نتائجها. فالحرب التي تبدأ بقرار يظنه أصحابها محدودًا قد تتحول إلى كارثة عالمية لا يستطيع أحد إيقافها.

تذكروا أن حياة الإنسان ليست وقودًا لنبوءة، وأن دماء الأبرياء ليست ثمنًا للخلاص.

قد يختلف الناس في تفسير النصوص والنبوءات، لكن هناك شيئًا يجب ألا يختلف عليه أصحاب الضمير:

لا يمكن أن يكون هلاك الملايين طريقًا إلى خلاص حقيقي.

لا تسمحوا لأحد أن يستخدمكم لتحقيق نبوءة يفسرها هو، أو مشروعًا سياسيًا يدفع ثمنه أبناؤكم وأبناء العالم.

اختاروا أن تكونوا جزءًا من إنقاذ البشرية، لا جزءًا من تدميرها.

فإن كان الخلاص من الله، فلن يحتاج إلى إبادة البشر. وإن كان الله هو الذي يكتب نهاية التاريخ، فليس من مسؤولية الإنسان أن يصنعها بالحرب.

والأرض ليست ملكًا لجماعة، والحياة ليست امتيازًا لشعب، والدم الإنساني ليس له دين أو قومية.

أنقذوا الإنسان قبل أن تبحثوا عن الخلاص.

إنها تجربة فكرية تطرح سؤالًا واحدًا أمام البشرية:

إذا امتلك الإنسان القدرة على تدمير العالم، ثم أقنع نفسه بأن تدميره هو الطريق إلى الخلاص… فمن يستطيع إيقافه؟

الهوامش

  1. [1]حزقيال 37–39 في العهد القديم: نصوص العودة، وهجوم «جوج»، والحرب الأخروية.
  2. [2]التلمود البابلي، سنهدرين 97–99: نقاشات أيام الماشيح وعلامات ما قبل الخلاص.
  3. [3]سفر رؤيا يوحنا 16:16: الموضع الوحيد الذي يظهر فيه لفظ «هرمجدون».

رفيق القراءة