من السردية الدينية إلى المشروع الجيوسياسي

كيف تتحول فكرة «النسب المقدّس» إلى أساس لشرعية سياسية دائمة، وإلى أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا؟

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 9 قسماً

مقدمة

ليست المسألة في أصلها لغوية أو تفسيرية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أخطر: ماذا يحدث عندما تتحول قراءة دينية معيّنة إلى أساس لشرعية سياسية ممتدة عبر الزمن؟

فإذا قُدِّم مفهوم «الوعد الإلهي» المرتبط بنسب إلى نبي بوصفه سندًا لحق سياسي دائم في الأرض، وتبنّت قوى كبرى هذا الفهم أو وظّفته ضمن رؤيتها الاستراتيجية، فإن السردية لا تبقى في حقل اللاهوت، بل تدخل مباشرة في حقل الجغرافيا والسياسة.

أولًا: تعريف الفرضية

تقوم الفرضية على ثلاث ركائز مترابطة: وجود وعد إلهي حصري بأرض معيّنة؛ وارتباط هذا الوعد بنسبٍ إلى نبي؛ واعتبار هذا النسب أساسًا لحق سياسي دائم عابر للأزمنة.

بعبارة مركّزة: الشرعية السياسية تُستمد من رابطة دينية–نَسَبية، لا من السيادة المعاصرة أو القانون الدولي.

ثانيًا: انتقال الفكرة من التفسير إلى الواقع

إذا تبنّت دولة هذا التصور بوصفه جزءًا من هويتها، وتقاطعت هذه الرؤية مع تيارات عقائدية في الغرب — مثل بعض اتجاهات الصهيونية المسيحية — فإن الدعم السياسي لا يصبح دعمًا لمصلحة استراتيجية فحسب، بل يُعاد تعريفه كجزء من تصور لاهوتي للتاريخ. وفي هذه اللحظة يحدث التحول الأخطر: الأرض لا تُقدَّم موضوعًا لنزاع سياسي، بل تنفيذًا لوعد مقدّس.

ثالثًا: إعادة تعريف الشرعية

عندما تُفهم الجغرافيا باعتبارها حقًا إلهيًا غير قابل للنقاش: تصبح التسويات السياسية تنازلًا عن أمر مقدس؛ ويتحول الاعتراض إلى اعتراض على «حق تاريخي» لا على سياسة معاصرة؛ ويُعاد تقديم التوسع بوصفه استعادة لا اكتسابًا. وهنا يتغير ميزان الجدل: لم يعد النقاش حول حدود وسيادة، بل حول تفسير قدرٍ تاريخي.

رابعًا: أثر ذلك على العالم العربي والإسلامي

**إضعاف تعريف الحق: ** يتحول الخطاب من حقوق الشعوب والقانون الدولي إلى سجال حول نصوص وروايات، ما يُربك صياغة حجة سياسية واضحة في المحافل الدولية.

**تطبيع الامتياز النسبي: ** قبول فكرة أن النسب يمنح ملكية أبدية يؤسس لمعيار قائم على السلالة لا على العدالة والسيادة المعاصرة، وهو معيار يصعب الطعن فيه سياسيًا إذا أُلبس لباسًا دينيًا.

**تراجع الموقع الأخلاقي: ** عند سيادة سردية «الوعد الحصري» قد يُصوَّر الاعتراض على السياسات كرفضٍ لحق تاريخي، لا كدفاعٍ عن واقع سياسي قابل للنقاش.

**أثر نفسي داخلي: ** ارتباك في تعريف الهوية والحق، وانقسام فكري حول طبيعة الصراع، وضعف في الحشد المعنوي والاستراتيجي. والأمم تضعف عندما تضطرب لديها معايير تعريف العدالة.

خامسًا: ميزان القوة ودوره الحاسم

الدعم الغربي — سواء انطلق من اعتبارات استراتيجية أو عقائدية — يمنح عمقًا سياسيًا طويل الأمد. لكن العامل الحاسم ليس السردية وحدها، بل توازن القوة. فالسردية مهما كانت قوية لا تتحول إلى واقع دائم إلا إذا دعمتها مؤسسات واقتصاد وتحالفات. وفي المقابل لا تُواجَه السرديات بالجدل النظري وحده، بل ببناء قوة موازية قادرة على فرض تعريف مختلف للشرعية.

سادسًا: أين تكمن الخطورة الحقيقية؟

الخطورة لا تكمن في الإيمان الديني ذاته، ولا في النقاش التفسيري حول هوية اسمٍ تاريخي، بل في تحويل فكرة لاهوتية إلى أساس لشرعية سياسية أبدية، مدعومة بقوة عظمى، في ظل انقسام وضعف في الجهة المقابلة.

وعندها قد يحدث الآتي تدريجيًا: تثبيت وقائع على الأرض؛ وإعادة تعريف الحدود بحكم الأمر الواقع؛ وتطبيع اختلال ميزان القوى؛ ونقل الصراع إلى أجيال جديدة أكثر تعقيدًا.

سابعًا: خطورة تصديق الروايات الضعيفة

الربط بين «إسرائيل» ويعقوب عليه السلام يُستند غالبًا إلى أحاديث ضعيفة أو غير متفق على صحتها، ولم يخرجها أصحاب الكتب الستة، ولا تُعدّ محل إجماع بين المحدثين، ولا يوجد دليل قطعي من القرآن.

وتصديق هذه الروايات له آثار مباشرة: **إضفاء شرعية زائفة** يجعل الربط يبدو حقيقة تاريخية–دينية وهو مجرد اجتهاد أو رواية ضعيفة؛ و**تسهيل التوظيف السياسي** لأن أي سردية مستندة إلى رواية ضعيفة يمكن أن تُستغل لتبرير حقوق سياسية أو توسع جغرافي خارج نطاق القانون والعدل؛ و**إضعاف الموقف الفكري الداخلي** بارتباك في تعريف الحق وانقسام بين من يرفض التوظيف ومن يقبله؛ و**خلق ثغرة أخلاقية وسياسية** إذ يفتح قبول الروايات الضعيفة الباب لتبرير إجراءات على الأرض باسم الدين دون مساءلة منهجية.

باختصار: تصديق هذه الرواية استنادًا إلى أحاديث ضعيفة يمنح حجّة لدعم حق مفترض في الأرض أمام القوى الكبرى، ويزيد من خطورة السردية؛ إذ تظل غير مثبتة نصيًا، لكنها تُوظف عمليًا أساسًا للسياسة والجغرافيا، بينما يبقى العالم العربي والإسلامي في موقف هش.

الخلاصة

المشكلة ليست في الاسم أو الرواية بحد ذاتها، بل في قدرة أي سردية على إعادة تعريف معيار الحق وتوجيهه وفق مصالح سياسية. وفي النظام الدولي الحديث تُبنى الشرعية على السيادة المعترف بها، وإرادة السكان، والقانون الدولي، وتوازن القوة.

لكن حين يُستبدل معيار العدالة بمعيار السلالة والنسب، يصبح الخطر ليس في النص نفسه، بل في الطريقة التي تُترجم بها الرواية إلى واقع جغرافي وسياسي. والتاريخ يوضح أن الجغرافيا لا تُحمى بالجدل حول الروايات، بل بالقوة السياسية والاقتصادية والفكرية القادرة على فرض تعريفها للحق وحمايته.

رفيق القراءة