اقتراح مبادرة خليجية دولية لضمان أمن الملاحة والطاقة العالمية

من إدارة الأزمة العسكرية إلى المسار القانوني: مسودتان لحماية مضيق هرمز وممرات الطاقة العالمية.

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 6 قسماً

شرايين الاقتصاد العالمي

يعتمد الاقتصاد العالمي بدرجة كبيرة على عدد محدود من الممرات البحرية الاستراتيجية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والسلع، ويؤدي أي اضطراب فيها إلى تأثيرات مباشرة على الاستقرار الاقتصادي الدولي.

**مضيق هرمز: ** يمر عبره ما يقارب ٢٠٪ من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي من دول الخليج، مما يجعله أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

**باب المندب: ** حلقة وصل أساسية بين الخليج وطرق التجارة المتجهة إلى أوروبا عبر قناة السويس، وجزء رئيسي من منظومة النقل البحري العالمية.

**مضيق ملقا: ** من أهم الممرات التي تربط الشرق الأوسط بالأسواق الآسيوية، وتعتمد عليه اقتصادات شرق آسيا الصناعية في استيراد الطاقة والسلع.

**قناة السويس: ** تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، ويمر عبرها ما يقارب ١٢٪ من التجارة العالمية؛ وفي حال تعطلها تضطر السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مما يزيد زمن الرحلات وتكاليف النقل بشكل كبير.

تشكل هذه الممرات منظومة مترابطة تمثل شرايين الطاقة والتجارة بين الخليج وآسيا وأوروبا؛ ولهذا أصبحت محورًا رئيسيًا للتفاعلات والصراعات الجيوسياسية الدولية.

مقدمة المبادرة

في ظل التصعيد العسكري المتزايد في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وما يصاحبه من تهديدات مباشرة للملاحة البحرية والجوية ولإمدادات الطاقة، تبرز الحاجة إلى تحرك دولي مسؤول يهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي والاقتصادي العالمي.

وتجد دول الخليج العربي — بحكم موقعها الجغرافي ودورها في تأمين جزء كبير من احتياجات العالم من الطاقة — نفسها أمام تحدٍ يتجاوز حدودها الوطنية ليشمل الأمن الاقتصادي العالمي واستقرار التجارة الدولية. ومن هذا المنطلق يصبح ضروريًا الانتقال من منطق إدارة الأزمات العسكرية إلى تبني مسار قانوني ودبلوماسي دولي.

وعليه، فإن الخيار الأكثر حكمة هو عقد اجتماع خليجي مشترك لتوحيد الموقف السياسي والقانوني، يتبعه تحرك دبلوماسي منظم نحو القوى الدولية المؤثرة، وعلى رأسها جمهورية الصين الشعبية بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن وشريكًا اقتصاديًا رئيسيًا في منظومة الطاقة.

ويهدف هذا التحرك إلى تقديم مبادرتين قانونيتين: **الأولى** لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز تحت مظلة القانون الدولي، و**الثانية** أوسع لتدويل حماية الممرات الاستراتيجية للطاقة والتجارة العالمية. ولا يهدف إلى التصعيد أو استهداف أي طرف، بل إلى نقل مسار الأزمة من المواجهة العسكرية إلى الحلول القانونية.

المسودة الأولى: حماية الملاحة والطاقة في مضيق هرمز

انطلاقًا من مسؤولية الدول في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وبالنظر إلى التصعيد العسكري وما يرافقه من تهديدات للملاحة، ترى الدول المعنية أن استمرار هذا التوتر يشكل خطرًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد الغذائية. ويمر عبر المضيق ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى جزء كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال.

الأساس القانوني

ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المواد المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين؛ ومبدأ حرية الملاحة في الممرات الدولية؛ ومسؤولية مجلس الأمن في اتخاذ التدابير اللازمة عند وجود تهديد للسلم والأمن الدوليين.

المقترح

تتقدم الدول المعنية بطلب إلى جمهورية الصين الشعبية، بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، لتقديم مشروع قرار يتضمن: إصدار قرار تحت الفصل السابع لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز؛ وإلزام جميع الأطراف بعدم تعطيل أو تهديد الملاحة البحرية أو الجوية؛ وضمان استمرار تدفق الطاقة والتجارة الدولية دون عوائق؛ وإنشاء آلية دولية لمراقبة الملاحة في المضيق بمشاركة قوى دولية لتعزيز الاستقرار ومنع التصعيد؛ والتأكيد على أن أي تعطيل متعمد للملاحة أو استهداف للبنية التحتية للطاقة يُعد تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الدوليين.

والهدف ليس التصعيد أو استهداف دولة بعينها، وإنما حماية الاقتصاد العالمي ومنع تحول النزاع الإقليمي إلى أزمة دولية واسعة.

المبادرة الاحتياطية: «الاتحاد من أجل السلام»

عند فشل صدور قرار من مجلس الأمن نتيجة الانقسام الدولي أو استخدام حق النقض، يمكن للدول المتضررة اللجوء إلى آلية «الاتحاد من أجل السلام» التي أُقرت عام ١٩٥٠؛ وهي توفر شرعية دولية واسعة حتى بدون قرار ملزم، وضغطًا سياسيًا واقتصاديًا على الدول المعرقلة.

المقترح

الدعوة إلى مؤتمر دولي عاجل لأمن الطاقة والملاحة البحرية، تشارك فيه الدول الكبرى والدول المستهلكة للطاقة؛ وإنشاء قوة مراقبة دولية متعددة الجنسيات لحماية الممرات الاستراتيجية في الخليج؛ وإشراك القوى الكبرى بما فيها الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي والدول الآسيوية المستوردة للطاقة؛ ووضع آلية دولية دائمة لحماية ممرات الطاقة والتجارة، ومنع استخدامها أداة ضغط سياسي أو عسكري.

الأهداف

حماية الاقتصاد العالمي من صدمات اضطراب إمدادات الطاقة؛ وضمان حرية الملاحة الدولية؛ ومنع تحول النزاعات الإقليمية إلى أزمات دولية واسعة؛ وكشف أي محاولات لإعادة استخدام النزاعات الإقليمية لتحقيق أهداف جيوسياسية أحادية.

الميزة الاستراتيجية

حتى في حالة استخدام الفيتو ضد المسودة الأولى، تتيح هذه الآلية تحويل النزاع من مستوى ثنائي إلى ضغط دولي واسع، وتكشف العوائق السياسية أمام المجتمع الدولي.

الخلاصة الدبلوماسية

تهدف المبادرة إلى نقل مسار الصراع من المواجهة العسكرية إلى الإطار القانوني والدبلوماسي، وحماية الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، وتعزيز مبدأ حرية الملاحة الدولية باعتباره مصلحة مشتركة لجميع الدول.

الخلاصة الاستراتيجية

إن طرح هذه المبادرات أمام مجلس الأمن يحمل بعدًا استراتيجيًا مهمًا: وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته المباشرة تجاه حماية الأمن الاقتصادي العالمي وحرية الملاحة. وفي حال تبنيها فإن ذلك يمثل خطوة نحو حماية الاستقرار ومنع تصاعد الصراعات.

أما في حال تعطيلها أو استخدام حق النقض ضدها، فإن ذلك سيكشف حجم التباين في المواقف الدولية، وسيطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام الدولي على منع استخدام الأزمات الإقليمية وسيلةً لإعادة تشكيل موازين القوى. وقد يصبح واضحًا أن ما يجري لا يتعلق فقط بإدارة صراع عسكري، بل قد يرتبط بعملية أوسع لإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

ولهذا يظل التحرك القانوني والدبلوماسي المبكر الخيار الأكثر حكمة، لأنه يضع حماية الاستقرار العالمي فوق حسابات الصراع، ويمنح المجتمع الدولي فرصة حقيقية لمنع انزلاق المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة.

عبدالله المضاحكة

رفيق القراءة