الكون في القرآن (السماوات، الأرض، وما بينهما)

دراسة في التصور القرآني للكون: بنيته وعناصره ووظائفه، ومقارنته بالنموذج العلمي الغربي في المنهج والغاية.

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 14 قسماً

مقدمة

يقدّم القرآن تصورًا للكون يقوم على ذكر السماوات والأرض وما بينهما، وما فيهما من مخلوقات ونظم، عبر ألفاظ تصف الخلق ووظيفته وعناصره الأساسية.

التصور القرآني للكون

يرى القرآن الكون باعتباره خلقًا إلهيًا مقصودًا يتكوّن من السماوات والأرض وما بينهما، ويعمل ضمن نظام محكم قائم على التسخير والتوازن. فالسماوات سبع في مستويات كونية، والأرض مهيأة للحياة بما فيها من رواسي ومعايش، بينما تعمل الشمس والقمر والنجوم والرياح والمطر ضمن منظومة دقيقة تحفظ انتظام الزمن والحياة، دون أن يكون أي عنصر فيها عشوائيًا أو مستقلًا عن التدبير الإلهي.

كما يقدّم القرآن الكون بوصفه «آيات» تدل على الخالق، حيث لا يقتصر وصفه على البنية المادية بل يتجاوزها إلى المعنى والغاية. فالإنسان في هذا التصور ليس عنصرًا هامشيًا، بل خليفة في الأرض يعيش ضمن ابتلاء واختبار، والكون كله مسخّر له ليقوم بدوره، مما يجعل الوجود مرتبطًا بهدف واضح هو العبادة وإدراك المعنى والارتباط بالخالق.

أولًا: خلق الكون

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ

[الزمر: ٦٢]

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا

[الفرقان: ٥٩]

وذكر أن الخلق كان في ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، كما ورد في بداية الخلق:

﴿ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا

[الأنبياء: ٣٠]

ثانيًا: البنية العامة للكون

**السماوات: ** ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾.

**الأرض: ** ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾، ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾، ومِهَادًا، وبِسَاطًا، ومُسْتَقَرًّا، وفيها مَعَايِشُ، وهي ذَلُولٌ، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾، وفيها نبات وحياة.

**ما بين السماوات والأرض: ** ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.

ثالثًا: مكوّنات الكون المذكورة في القرآن

**الشمس والقمر: ** ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾، ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.

**النجوم والكواكب: ** ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾، ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.

**الشهب: ** ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾.

**الماء والرياح والسحاب: ** ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، ﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾، ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾.

رابعًا: طريقة الخلق في القرآن

﴿ كُن فَيَكُونُ

[البقرة: ١١٧]

كما ورد: ﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، و﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، و﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.

خامسًا: مفهوم الأرض في القرآن من ألفاظه

وُصفت الأرض في القرآن بعدة ألفاظ: مَدَدْنَاهَا، فِرَاشًا، مِهَادًا، بِسَاطًا، مُسْتَقَرًّا، مَعَايِشَ، ذَلُولًا، وفيها رَوَاسِي، وفيها نبات.

سادسًا: السبع أرضين

﴿ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ

[الطلاق: ١٢]

ولم يذكر القرآن تفاصيل طبيعة هذا «المثل»، بل اكتفى ببيان وجوده ضمن الخلق.

التصور العلمي الغربي للكون

يرى النموذج العلمي الغربي الكون باعتباره نظامًا ماديًا ضخمًا نشأ وتطور عبر قوانين طبيعية يمكن رصدها وقياسها، أبرزها في نموذج الانفجار العظيم وتمدد الكون. يتكوّن الكون من مجرات ونجوم وكواكب وغازات وطاقة، وتُفسَّر حركته وتفاعلاته من خلال قوانين الفيزياء مثل الجاذبية والنسبية وميكانيكا الكم، دون الحاجة إلى افتراض تقسيمات غيبية أو طبقات كونية ذات طابع ميتافيزيقي.

ويقوم هذا التصور على منهج وصفي تجريبي يركز على «كيفية حدوث الأشياء» لا «لماذا وُجدت»، أي أنه يفسر آليات نشوء الكون وتطوره دون إدخال فكرة الغاية أو الهدف ضمن بنية العلم نفسه. لذلك يُنظر إلى الإنسان في هذا الإطار كجزء من الطبيعة ونتيجة لعمليات تطورية طويلة، وليس كمركز كوني، بينما يظل العلم محايدًا تجاه الأسئلة الوجودية أو الغائية.

سابعًا: مقارنة النموذجين

**النموذج القرآني** يعتمد على السماوات السبع، والأرض، وما بينهما، والشمس والقمر والنجوم ضمن السماء الدنيا، مع وصف وظيفي (زينة، هداية، تسخير). وطبيعته: نموذج وصفي وظيفي غائي يركز على الوظيفة والمعنى داخل النظام.

**النموذج العلمي الغربي الحديث** يعتمد على الانفجار العظيم، وتمدد الكون، والمجرات والنجوم والكواكب والسدم، وقوانين الفيزياء من الجاذبية والطاقة والنسبية، ولا يعتمد مفهوم «سبع سماوات» كطبقات مادية. وطبيعته: نموذج فيزيائي رياضي قياسي يركز على البنية المادية والقوانين.

أهم نقاط الاختلاف

**بنية الكون: ** القرآن يقدّم سماوات سبعًا وأرضًا وما بينهما، والعلم يقدّم كونًا واحدًا ممتدًا بلا تقسيم طبقي سبعي.

**موقع الأجرام: ** في القرآن الشمس والقمر والنجوم ضمن السماء الدنيا، وفي العلم الشمس نجم والنجوم شموس بعيدة في مجرات.

**هدف الوصف: ** في القرآن الهداية والمعنى والنظام العام، وفي العلم القياس والتفسير الفيزيائي والتنبؤ.

**مفهوم السماء: ** في القرآن مفهوم واسع يشمل طبقات أو أفقًا كونيًا، وفي العلم فضاء كوني ممتد.

ثامنًا: سبب خلق الجن والإنس وعلاقته بالنموذجين

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

[الذاريات: ٥٦]

﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

[هود: ٧]

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

[البقرة: ٣٠]

فالغاية ثلاثية: عبادة، وابتلاء، وخلافة في الأرض. وهذا ما يُسمى في الفلسفة نموذجًا غائيًا.

**النموذج القرآني** فيه غاية للخلق، ومعنى وهدف، والكون فيه «مقصود»، والإنسان محور ابتلاء واختبار، والعلاقة بين الخالق والمخلوق مركزية. لذلك يتماشى مباشرة مع فكرة الابتلاء والعبادة والخلافة.

**النموذج العلمي الغربي** يشرح كيف نشأ الكون وكيف تعمل الظواهر، ويعتمد على قوانين طبيعية، ولا يضع سببًا غائيًا للوجود. لذلك لا يتكلم عن «لماذا وُجد الإنسان للابتلاء أو العبادة»، بل عن الآلية فقط.

النموذج القرآني يقدّم السبب مباشرة، والنموذج العلمي لا يناقش الغاية أصلًا، فهو محايد غائيًا.

نقاط التعارض بين النموذجين

**النموذج القرآني — تصور هادف للكون والإنسان: ** الكون مخلوق بالحق وله غاية هي العبادة والابتلاء والخلافة، والوجود ليس عبثًا؛ والإنسان محور الابتلاء والأرض ساحة اختبار والكون مُسخّر لدوره؛ والخلق والتدبير بإرادة الله، «كن فيكون»، والظواهر ضمن نظام إلهي.

**النموذج العلمي الغربي — تصور فيزيائي آلي: ** الكون بلا هدف داخل النموذج، ويفسر «كيف» لا «لماذا»؛ والإنسان نتيجة تطور وليس محور الكون بل جزء من الطبيعة؛ والتفسير قائم على قوانين فيزيائية فقط دون تدخل غيبي، في كون ذاتي التنظيم.

في مفهوم النجوم

القرآن يقدّمها مصابيح وزينة في السماء، والعلم يعرّفها كرات غازية نووية. ووظيفتها في القرآن زينة وهداية، وفي العلم طاقة وتكوين عناصر. والتفسير في القرآن غائي، وفي العلم سببي فيزيائي.

في الشمس والقمر

في القرآن مسخَّران في فلك، وفي العلم نجم وقمر صخري. وعلاقتهما بالإنسان في القرآن حساب وزمن وتسخير، وفي العلم نتائج فيزيائية. والتفسير في القرآن غائي، وفي العلم سببي.

مساران لفهم الكون

**النموذج القرآني** لا يقدّم الكون بوصفه مادة صامتة، بل بوصفه منظومة دلالية: كل الظواهر الكونية تُعرض كآيات تدل على الخالق، والخلق والتدبير والتسخير عناصر أساسية في فهم الكون، والغاية من الوجود جزء من بنية التفسير، والتأمل في الكون موجَّه ليقود إلى الإيمان والمعرفة بالله.

هذا نموذج يجعل الكون نفسه دليلًا مقصودًا يقود الإنسان إلى معرفة الخالق وربط الوجود به.

**النموذج العلمي الغربي** يبني تفسيره على منهج مادي تجريبي: يفسر الظواهر عبر قوانين الطبيعة فقط، ويركز على كيفية حدوث الأشياء لا لماذا وُجدت، ويفصل التفسير العلمي عن الأسئلة الغائية أو الميتافيزيقية، ولا يُدخل فكرة الخالق ضمن النموذج التفسيري العلمي.

هذا نموذج يشرح الكون كمنظومة فيزيائية تعمل بالقوانين، دون أن يجعل الوصول إلى الخالق جزءًا من مساره العلمي.

الخلاصة العامة

النموذج القرآني للكون نموذج يرى الكون ليس مجرد مادة تُوصف، بل منظومة «مقصودة» تحمل معنى وغاية، تُعرض فيها السماوات والأرض وما بينهما كخلقٍ مرتبط بإرادة إلهية ووظيفة ودلالة، حيث يصبح الوصف نفسه موجَّهًا لإبراز الغاية من الوجود.

أما النموذج العلمي الغربي فهو نموذج يقدّم الكون بوصفه نظامًا ماديًا خالصًا، يُفسَّر عبر القوانين الفيزيائية والرياضية، ويُفهم من خلال البنية والتفاعل والحركة، دون إدخال الغاية أو المعنى ضمن إطار التفسير العلمي نفسه.

رفيق القراءة