العلماء بين آيات الكون وآيات الوحي: قراءة في سياق سورة فاطر

«إنما يخشى الله من عباده العلماء» — هل هي تزكية لطبقة دينية، أم وصف لعلاقة سببية بين العلم والخشية؟

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 10 قسماً

في القرآن الكريم، لا تُفهم المفاهيم الكبرى بكلمةٍ معزولة، بل بسياقها وبنَفَس السورة كله. ومن أكثر الآيات التي أسيء حصر معناها قول الله تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ

[فاطر: ٢٨]

هذه الجملة القصيرة تحوّلت في الوعي التراثي إلى تثبيت لفكرة «طبقة دينية»، بينما السياق القرآني يرسم صورة أوسع وأعمق بكثير.

أولًا: السياق الكوني قبل الآية

قبل الآية مباشرة، يعرض القرآن مشهدًا كونيًا حيًا: ماء ينزل من السماء، وثمرات مختلفة الألوان، وجبال بيض وحمر وغرابيب سود، وناس ودواب وأنعام مختلفة ألوانها.

إذن القضية المطروحة ليست فقهًا ولا جدلًا مذهبيًا، بل: تنوّع الخلق ووحدة المصدر، والنظام والدقة، والتعدد في إطار سنّة واحدة. والآية تأتي بعد استعراض هذا المشهد الكوني لتقول: الذي يدرك هذا الإدراك العميق هو الذي يخشى.

وإضافة كلمة «من عباده» ليست تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل مفتاح في المعنى. فالآية لم تقل: إنما يخشى الله العلماء بإطلاق، بل قالت «من عباده». وهذا يعني أن الخشية الحقيقية لا تبقى مجرد معرفة ذهنية، ولا تقف عند حدود الدهشة أو الإعجاب بالنظام الكوني، بل تُدخل صاحبها في دائرة العبودية. فالعلم قد يُنتج انبهارًا، لكن الخشية التي يتحدث عنها القرآن تُنتج خضوعًا.

إذن العلاقة تصبح هكذا: علم → خشية → عبودية. فإذا لم يتحول العلم إلى عبودية، فلم تكتمل الخشية المقصودة في الآية.

ثانيًا: قبل المشهد الكوني… مشهد البصيرة

وقبل الحديث عن الألوان، تأتي مقارنة حاسمة: لا يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الأحياء ولا الأموات. إذن الموضوع هو: رؤية مقابل عمى، ووعي مقابل موت قلبي. فالـ«عالم» هنا ليس صاحب لقب، بل صاحب بصيرة.

ثالثًا: ما معنى «العلماء» في هذا السياق؟

لو كان المقصود طبقة دينية محددة، لكان السياق فقهيًا أو تشريعيًا. لكن السياق كوني وجودي بصيري. إذن «العلماء» هم الذين علموا آيات الله في الخلق والكتاب، فتحوّل علمهم إلى خشية.

فالآية لم تقل: إنما يعرف الله العلماء، ولا إنما يحفظ النصوص العلماء، بل قالت: إنما يخشى الله العلماء. والمعيار هنا ليس مقدار المعلومات، بل أثرها على القلب.

رابعًا: هل يشمل المفهوم علماء الطبيعة اليوم؟

من القرآن نفسه، التفكر في الكون طريق مشروع للهداية: النظر في السماوات والأرض، والسير في الأرض، والتأمل في الخلق. إذن علوم الفيزياء، والأحياء، والفلك، والكونيات يمكن أن تكون أبوابًا عظيمة لمعرفة الله.

لكن القرآن يضع شرطًا حاسمًا: هل أورث العلم خشية؟ فقد يكتشف الإنسان قوانين مذهلة في الكون فيزداد تواضعًا، أو يزداد غرورًا. فالعلم وحده لا يكفي؛ والاتجاه القلبي هو الفيصل.

خامسًا: الخشية… ما طبيعتها؟

الخشية في القرآن ليست خوفًا بدائيًا، ولا رهبةً غامضة، ولا إعجابًا فلسفيًا، بل هي: إدراك العظمة + وعي الحساب + انكسار أمام الحق. ولهذا خُتمت الآية بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾؛ فالعزة تذكير بالقدرة والسلطان، والمغفرة تذكير بالعلاقة والرجاء.

سادسًا: هل الخشية تعني بالضرورة إعلان الإسلام؟

الآية لا تتحدث عن هوية اجتماعية، بل عن حالة وجودية. فقد يوجد من ينتسب للإسلام لكنه غافل لا يخشى، ومن يتأمل الكون بصدق فيرتجف قلبه من عظمة الخالق. لكن في المنهج القرآني، إذا اكتملت الخشية الحقيقية فإنها تقود إلى اعتراف بالحق ثم اتباع له؛ لأن العلم حين يكتمل لا يبقى نظريًا.

سابعًا: الصورة القرآنية الكاملة

من خلال السياق الكامل في سورة فاطر، يظهر أن الكون كتاب مفتوح، وأن الاختلاف في الألوان آية، وأن البصيرة شرط الفهم، وأن العلم الحقيقي يُثمر خشية، وأن الخشية تُثمر عملًا. ويؤكد ذلك مباشرة قوله بعدها ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ…﴾؛ أي أن العلم ليس كونيًا فقط، بل موصول بالوحي.

بين التفسير التقليدي والقراءة السياقية

في التفسير التقليدي، يُفهم العلماء غالبًا بأنهم علماء الشريعة والفقه والحديث، وتُقرأ الآية باعتبارها تزكية خاصة لطبقة دينية لها مكانة ومرجعية، فيصبح التركيز على التخصص الديني بوصفه المقصود الأساس، وكأنها تؤسس لسلطة معرفية محددة.

أما في القراءة السياقية، فيُعاد المصطلح إلى سياقه داخل سورة فاطر، حيث سبقته مشاهد كونية عن اختلاف ألوان الثمرات والجبال والناس، ومقارنات بين الأعمى والبصير، والنور والظلمات. وفي هذا السياق يظهر أن المقصود ليس طبقة دينية بعينها، بل كل من أدرك آيات الله في الخلق والكتاب إدراكًا عميقًا أورثه خشية.

فالتفسير التقليدي يميل إلى ربط الآية بالعلم الشرعي تحديدًا، بينما القراءة السياقية ترى أن العلم المقصود أوسع، يشمل العلم بالكون والسنن والوحي، لأن المعيار الذي وضعته الآية ليس نوع العلم، بل أثره: الخشية.

وفي الفهم التقليدي قد تُستخدم الآية لإبراز فضل العلماء ومكانتهم، أما في الفهم السياقي فهي لا تمدح فئة اجتماعية، بل تصف علاقة سببية: العلم الحقيقي يولّد خشية. ومن لم تتحقق فيه الخشية، لم يكتمل فيه وصف «العالم» مهما كان تخصصه.

باختصار، الفرق ليس في الكلمة نفسها، بل في زاوية النظر: هل «العالم» لقبٌ لمهنة دينية، أم حالة قلبية معرفية يُقاس صدقها بثمرة الخشية؟

الخلاصة

«العلماء» في هذا السياق ليسوا طبقة دينية مغلقة، ولا أصحاب شهادات، ولا حراس مؤسسة، بل هم كل من أدرك آيات الله في الخلق والكتاب إدراكًا عميقًا، فتحوّل علمه إلى خشية، وانعكست خشيتُه سلوكًا وعبودية.

فالقرآن لا يصنع نخبة معرفية، بل يصنع إنسانًا بصيرًا. والعالم الحقيقي قرآنيًا هو من رأى في اختلاف الألوان وحدة الخالق، وفي تنوّع الظواهر سنّةً واحدة، وفي اتساع الكون عظمةً تُخشَى. وهنا يتحول العلم من معلومات… إلى نور.

رفيق القراءة