بنو آدم وبنو إسرائيل
الجريمة الأولى وكشف هوية المضلِّلين: تدبر يبحث عن الاسم والبصمة من داخل القرآن.
لم تبدأ قصة الصراع بين الإنسان والشيطان عندما نزل الإنسان إلى الأرض، بل بدأت قبل ذلك، عندما أعلن إبليس موقفه من آدم، ثم طلب الإمهال، وتعهد أن يقعد للإنسان على الصراط المستقيم، وأن يأتيه من جهاته المختلفة حتى يوقعه في الغواية.
لكن القرآن يكشف لنا أن الإضلال لم يكن محصورًا في عالم الجن؛ فكما يوجد شيطان من الجن، يوجد شيطان من الإنس. ومن هنا يبدأ التدبر في البحث عن الشخصية الإنسانية التي شاركت في مشروع الإضلال، وعن الاسم الذي حملته هذه الشخصية، وعن الصفات التي تكشف حقيقتها عندما لا يكون الاسم وحده كافيًا.
الجريمة الأولى
﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ﴾
ثم يصل الأمر إلى أول جريمة قتل:
﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾
ثم تأتي المرحلة الثانية من الجريمة: إخفاء أثرها.
﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ﴾
ثم تأتي الآية التي تفتح باب التدبر:
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾
هنا يضع القرآن أمامنا خطًا متصلًا: بنو آدم ← أول قتل ← محاولة مواراة الجريمة ← بنو إسرائيل.
ومن هنا بدأ السؤال: من هم بنو إسرائيل؟ ومن هو إسرائيل الذي حملوا اسمه؟ وهل انتقال القرآن من بني آدم إلى بني إسرائيل بعد ذكر أول جريمة يحمل دلالة تتجاوز مجرد سرد قصة تاريخية؟
إنه سؤال تدبر، لا سؤال نقل.
إسرائيل قبل بني إسرائيل
القرآن لا يذكر إسرائيل دائمًا بوصفه جماعة، بل يذكره مفردًا:
﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾
هنا يظهر إسرائيل المفرد، ثم بنو إسرائيل الجماعة. والأهم أن فعل إسرائيل وقع قبل نزول التوراة، ثم يقول القرآن:
﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾
إذن القرآن نفسه يضع إسرائيل في مرحلة سابقة على التوراة. ومن هنا لا يصبح البحث عن إسرائيل بحثًا في اسم تاريخي فقط، بل بحثًا في شخصية سابقة على الكتاب الذي حمله بنو إسرائيل.
الجريمة لم تنتهِ
إذا كان القتل الأول قد وقع بين ابني آدم، فإن بني إسرائيل لم يقفوا عند حدود معرفة الجريمة الأولى؛ فالقرآن يصف تاريخًا طويلًا من مخالفة العهد، وتحريف الكلم، وكتمان ما أنزل الله، وقتل الرسل.
﴿ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾
وهكذا يصبح السؤال أكثر عمقًا: إذا كانت الجريمة الأولى قد كشفت للإنسان خطورة قتل النفس، فلماذا تكرر القتل بعد ذلك؟ ولماذا استمر الانحراف بعد نزول الكتاب والميثاق؟ ولماذا لم يتحول كشف الجريمة الأولى إلى عظة تنهي الجريمة؟
إن المسألة لم تعد مجرد جريمة فرد؛ لقد أصبحت منهجًا يتكرر عبر الزمن.
المضللان
القرآن يكشف وجود شياطين من الإنس والجن:
﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾
إذن هناك طرفان في مشروع الإضلال: شيطان من الجن، وشيطان من الإنس. ومن هنا يظهر في التدبر شخصيتان: إبليس من الجن، وإسرائيل من الإنس.
إبليس: الاسم والصفة
إبليس هو الاسم الذي يطلقه القرآن على الشخصية التي عصت أمر الله في قصة آدم، أما الشيطان فهو وصف للدور الذي يؤديه. فإبليس هو الذي قال:
﴿ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
فأُجيب: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ | الأعراف: ١٥
ثم أعلن مهمته:
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
إنه مشروع مستمر: إغواء ← غواية ← إضلال ← إبعاد الإنسان عن الطريق. ومن هنا يصبح الشيطان وصفًا لهذه الشخصية ودورها في المشروع.
أما الطاغوت فيدخل في منظومة الإضلال نفسها، حيث يذكر القرآن الإيمان بالجبت والطاغوت، والتحاكم إلى الطاغوت، والقتال في سبيل الطاغوت. وعليه فإن التدبر ينظر إلى هذه الأسماء باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة، مع بقاء تحديد كل اسم من داخل القرآن.
المضلل من الإنس
إذا كان إبليس يمثل الطرف الغيبي من مشروع الإغواء، فمن هو الطرف الإنساني؟ هنا تظهر شخصية السامري، والقرآن لا يكتفي بذكره بل يحدد وظيفته:
﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴾
فالسامري لم يضل نفسه فقط، بل أضل قومًا، ثم صنع العجل، ثم قال:
﴿ هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ ﴾
وهنا تظهر البصمة: معرفة ← انحراف ← صناعة رمز ← تضليل الجماعة ← تحويل الغواية الفردية إلى غواية جماعية. وهذه الصفات هي التي تجعل اسم السامري محل تدبر في البحث عن إسرائيل.
إسرائيل والسامري والجبت
هنا تصل الفرضية إلى مركزها: إسرائيل هو الاسم، والسامري صفة تكشف الوظيفة، والجبت وصف يدخل في منظومة الانحراف والإضلال.
وبذلك لا تكون القضية أن القرآن قال حرفيًا: إسرائيل هو السامري، بل أن البحث يحاول اكتشاف شخصية واحدة تحمل الاسم، وتظهر لها أوصاف وأدوار مختلفة في القرآن.
وكما أن إبليس هو الاسم، والشيطان هو الوصف والدور، فإن فرضية البحث تقول: إسرائيل هو الاسم، والسامري والجبت يكشفان عن جوانب من صفته ودوره.
وهنا ينبغي أن تستمر المقارنة حتى تكتمل البصمة.
الذي أوتي الآيات ثم انسلخ منها
القرآن يذكر شخصية أخرى دون أن يسميها:
﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾
هذه الشخصية تحمل صفات شديدة الأهمية: أُعطي الآيات ← عرفها ← انسلخ منها ← اتبع الشيطان ← أصبح من الغاوين ← أخلد إلى الأرض ← اتبع هواه.
وهنا يلتقي طرفا المشروع: الشيطان يغوي، والإنسان ينسلخ من الآيات ويتبعه. ومن هنا تأتي فرضية أن إسرائيل هو الشخصية الإنسانية التي شاركت إبليس في مشروع الغواية والإضلال.
شخصيتان في الأرض
وفق هذا التدبر، يظهر في تاريخ الإنسان طرفان؛ الأول من الجن: إبليس، ووصفه الشيطان، ودوره الإغواء والإضلال. والثاني من الإنس: إسرائيل، وتظهر بصمته من خلال السامري والجبت والشخصية التي أوتيت الآيات ثم انسلخت منها واتبعها الشيطان.
وبذلك يصبح المشروع: إبليس يغوي، وإسرائيل يضل؛ الأول من الجن، والثاني من الإنس، وكلاهما يعمل في اتجاه واحد: إبعاد الإنسان عن سبيل الله.
وبنو إسرائيل أين يقفون؟
إذا كان إسرائيل هو صاحب هذه البصمة، فإن بني إسرائيل هم الجماعة التي حملت اسمه. والقرآن لا يقول إن جميع بني إسرائيل كانوا على درجة واحدة، لكنه يكشف أن كثيرًا منهم خالفوا العهد، وحرفوا، وكتموا، وكذبوا، وقتلوا.
وبذلك يمكن فهم العلاقة في إطار مختلف: إسرائيل صاحب البصمة، وبنو إسرائيل الجماعة التي حملت الاسم؛ وبعضهم اتبع المنهج، وبعضهم خالفه. لكن التاريخ الذي يعرضه القرآن يكشف أن الانحراف لم ينقطع.
هل ساعد بنو إسرائيل على إخفاء الحقيقة؟
إذا كان هناك شخص يحمل هذه البصمة، وإذا كان الاسم قد تحول من شخصية إلى جماعة، فإن الحفاظ على الجماعة يحتاج إلى بقاء الهوية الأصلية بعيدة عن أعين الناس. وهنا يظهر في القرآن مفهوم الكتمان والإخفاء والتحريف:
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾
﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ … يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾
وهنا يدخل مفهوم الإخفاء في صلب البحث: إخفاء ← تحريف ← تغيير مواضع المعنى ← استمرار الرواية. ومن هنا تُطرح الفرضية: هل ساهمت جماعة بني إسرائيل في إبقاء هوية إسرائيل الحقيقية مخفية من خلال تحريف الرواية وتغيير مواضع الكلمات وإخفاء بعض ما في الكتاب؟
إذا ثبت ذلك، فلن يكون التحريف مجرد مخالفة دينية، بل يصبح جزءًا من حماية هوية شخصية واستمرار مشروعها.
لماذا كان إخفاء الهوية مهمًا؟
لأن معرفة الهوية تغير معنى التاريخ كله. إذا عرف الإنسان أن وراء سلسلة الإضلال شخصية بشرية واحدة، ثم رأى كيف انتقلت صفاتها بين الأسماء والروايات والجماعات، فإن قراءة التاريخ ستتغير.
أما إذا أصبح الاسم منفصلًا عن البصمة، وأصبحت البصمة موزعة بين شخصيات مختلفة، فإن الشخصية الأصلية تختفي.
يبقى الاسم، وتضيع البصمة؛ ويبقى التاريخ، وتختفي الجريمة الأولى. وهذا هو جوهر الفرضية.
لماذا القرآن هو الحكم؟
لأن القرآن لا يطلب منا أن نقبل الرواية لمجرد أنها ورثت عبر الأجيال، بل يقول:
﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾
﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ … وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾
فالقرآن هو المعيار، ولهذا فإن البحث لا يبدأ من التوراة ليصل إلى القرآن، بل يبدأ من القرآن ثم يعود إلى ما سبقه ليمتحنه. إذا تطابقت الرواية مع القرآن قُبلت في موضع التطابق، وإذا اختلفت فالحكم للقرآن، وإذا لم نجد في القرآن حكمًا قاطعًا بقي الأمر في دائرة التدبر والبحث.
الكشف الأكبر
عندما نجمع الخيوط: بنو آدم، ثم الجريمة الأولى، ثم مواراة الجريمة، ثم بنو إسرائيل، ثم إسرائيل المفرد، ثم نقض العهد والتحريف والكتمان، ثم قتل الرسل، ثم السامري الذي أضل قومه، ثم الذي أوتي الآيات فانسلخ منها واتبع الشيطان، ثم الجبت والطاغوت، ثم شياطين الإنس والجن — تظهر أمامنا فرضية واحدة:
أن وراء تاريخ الغواية البشرية طرفين: طرفًا من الجن يمثله إبليس، وطرفًا من الإنس تمثله شخصية إسرائيل، وأن البصمة الإنسانية لهذا المشروع تظهر في صفات السامري والجبت والشخصية التي أوتيت الآيات ثم انسلخت منها، بينما تحولت الجماعة التي حملت اسم إسرائيل إلى جزء من استمرار هذه البصمة عبر التاريخ.
وبحسب هذا التصور، لم تكن المشكلة في الجريمة وحدها، بل في إخفاء مرتكبها وهويته.
الجريمة الأولى لم تكن القتل فقط
قد تكون الجريمة الأولى التي كشفها القرآن أوسع من مجرد قتل الأخ؛ فالقتل جريمة، لكن محاولة إخفاء الجريمة جريمة أخرى، ثم استمرار المنهج بعد معرفته جريمة ثالثة، ثم تحويل الجريمة إلى تاريخ ورواية وهوية جماعية هو المرحلة الأخطر.
ومن هنا يصبح السؤال: هل كان المطلوب أن ينسى الإنسان من بدأ الجريمة، لا أن ينسى الجريمة نفسها فقط؟
فقد يتذكر الإنسان أن القتل حرام، لكنه لا يعرف من أين بدأ نمط القتل. وقد يعرف أن هناك شيطانًا يضل الناس، لكنه لا يبحث عن شريكه الإنساني. وقد يعرف اسم إسرائيل، لكنه لا يبحث عن البصمة التي يحملها الاسم. وقد يقرأ السامري بوصفه شخصية من الماضي، ولا يسأل: هل السامري اسم لشخص انتهى، أم وصف لبصمة استمرت؟
إسرائيل عبر العصر
وفق هذا التصور، لا تكون شخصية إسرائيل مرتبطة بزمن واحد، بل تكون البصمة ممتدة: إغواء ← تضليل ← تحريف ← صناعة رواية ← إخفاء الحقيقة ← اتباع الجماعة ← استمرار البصمة. ويبقى إبليس في الجانب الآخر من المشروع، ولهذا يقول:
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
ولا يكون عمله منفردًا، لأن القرآن نفسه تحدث عن شياطين الإنس والجن. وهنا يصبح الإنسان الذي ينسلخ من الآيات ويتبع الشيطان جزءًا من المشروع نفسه.
والخوف الحقيقي
إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يعرف الجريمة، بل أن يعرف الجريمة ولا يعرف صاحب البصمة؛ لأن معرفة الجريمة تمنع تكرارها، أما إخفاء صاحبها فيجعلها قابلة لإعادة الإنتاج.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا يصبح كشف الهوية جزءًا من المعركة: ليس لكشف شخص من أجل الانتقام منه، وإنما لكشف النموذج حتى لا يستمر.
ماذا نستنتج
قصة بني آدم تفتح الباب، وبنو إسرائيل يوسعون السؤال، وإسرائيل المفرد يعيد السؤال إلى شخص واحد. والسامري يكشف نموذج الإنسان الذي يضل جماعة، والذي أوتي الآيات ثم انسلخ منها يكشف الإنسان الذي ترك الآيات واتبع الشيطان، والجبت والطاغوت يظهران في منظومة الانحراف، ويبقى إبليس الطرف الآخر من مشروع الغواية.
وبين هذه الخيوط يظهر تصور: اثنان يعملان في إضلال البشر؛ أحدهما من الجن، وهو إبليس الذي وصفه القرآن بالشيطان، والآخر من الإنس، وهو إسرائيل الذي تكشف صفته في هذا التدبر من خلال السامري والجبت والشخصية التي أوتيت الآيات فانسلخت منها واتبعها الشيطان.
وبينهما بنو إسرائيل: جماعة تحمل اسم إسرائيل، وتظهر في تاريخها صور من التحريف ونقض العهد وكتمان الحق ومخالفة الرسل وقتل بعضهم.
ومن هنا يصبح كشف الجريمة الأولى ليس نهاية البحث، بل بدايته؛ فالقرآن لم يروِ قصة ابني آدم ليخبرنا فقط أن الإنسان قتل أخاه، بل ترك لنا سؤالًا: من أين بدأت البصمة؟ ثم نقلنا إلى بني إسرائيل، ومن بني إسرائيل إلى إسرائيل، ومن إسرائيل إلى السامري والجبت والشخصية التي انسلخت من الآيات، ومنها إلى إبليس والشيطان وشياطين الإنس والجن.
ويبقى الحكم: القرآن. فإن أثبت القرآن المطابقة ثبتت، وإن كشف اختلافًا سقطت، وإن ترك الأمر دون حسم بقي تدبرًا مفتوحًا.
لكن السؤال بعد هذا المسار لم يعد: من هو إسرائيل كما قالت الروايات؟ بل: من هو إسرائيل كما يكشفه القرآن؟ وهنا يبدأ البحث الحقيقي.
حين عاد الاسم ظهرت البصمة
إذا كان القرآن قد كشف منذ البداية خيط الجريمة، ثم أخفيت هوية مرتكبها عبر التاريخ، فإن الخداع لا يكتمل إلا بإخفاء الاسم الحقيقي للفاعل، ثم إعادة كتابة القصة بحيث يُنسب الاسم إلى غير صاحبه.
ومن هنا يصبح اختيار اسم «إسرائيل» لدولة أُنشئت في فلسطين بعد آلاف السنين سؤالًا لا يمكن تجاوزه: لماذا إسرائيل؟ ولماذا لم يُستعد اسم يعقوب؟
في هذا المسار، لا يبدو الأمر مجرد استعادة لاسم تاريخي، بل عودة للاسم الذي أخفاه التاريخ عن الجريمة الأولى. فإذا كان يعقوب في الصورة القرآنية هو الصابر البصير الذي لا تنطلي عليه الرواية الكاذبة، فإن «إسرائيل» في البصمة التي يكشفها هذا التدبر يرتبط بمسار آخر: القتل، والإضلال، والتشريد، وإخفاء الحقيقة.
وهنا تصبح فلسطين هي لحظة الاختبار الأخيرة؛ فبعد آلاف السنين عاد اسم إسرائيل إلى الوجود السياسي، وعاد معه — وفق هذه القراءة — السلوك الذي تكشفه البصمة القرآنية: قتل الإنسان وتشريده من أرضه، تحت عناوين مختلفة، حتى أصبح القتل والتشريد عنوانًا ملازمًا للاسم في الواقع المعاصر.
وهكذا لا يكون السؤال: لماذا اختاروا اسم إسرائيل؟ بل يصبح السؤال الأخطر: هل عاد الاسم لأن الهوية الحقيقية لم تختفِ، وإنما أخفيت؟
إذا كان القرآن قد كشف البصمة، ثم عجز التاريخ عن كشف صاحبها، فإن إعادة ظهور الاسم في آخر الزمان تصبح نتيجة حتمية للخداع القديم: أُخفيت الجريمة وبقيت البصمة، وأُخفيت الهوية وبقي الاسم، وحين عاد الاسم إلى الظهور ظهرت البصمة من جديد.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: القرآن كان أمام المسلمين منذ قرون، لكنه هُجر بوصفه كتابًا يُتدبر ويُختبر ويُربط بعضه ببعض. فلو عُقل القرآن، ولو قُرئت الآيات في سياقها، ولو سُئل عن سبب الانتقال من بني آدم إلى بني إسرائيل، وعن معنى إسرائيل المفرد، وعن علاقة السامري والجبت والطاغوت والشيطان بمنظومة الإضلال، لربما ظهر السؤال قبل أن يعود الاسم إلى التاريخ.
لكن حين يُهجر القرآن، لا تضيع الإجابة فقط؛ يضيع السؤال نفسه.
القرآن كشف الخداع، لكن الذين هجروا القرآن لم يروا ما كُشف أمامهم؛ وحين عاد اسم إسرائيل إلى التاريخ، لم يتعرفوا على البصمة التي سبقت الاسم بآلاف السنين. فلم يكن الخداع في أن القرآن لم يكشف، وإنما في أن الإنسان لم يتدبر ما كُشف له.
الخلاصة: هجر القرآن وأثره في الصراع مع إسرائيل
المشكلة أن المسلمين، في تعاملهم مع قضية إسرائيل، لم يعودوا إلى القرآن بوصفه الحكم، وإنما تعامل كثير منهم معها من خلال الموروث الإسلامي والتفسير التراثي.
وهنا تكمن المفارقة: التراث الإسلامي في تصوره الشائع لا يفكك الرواية التي تقوم عليها هوية إسرائيل الحديثة، بل يتعامل معها في كثير من الأحيان ضمن الإطار نفسه: إسرائيل هو يعقوب، وبنو إسرائيل ذريته، وفلسطين مرتبطة بوعد إلهي قديم.
وبذلك لا يواجه الخطاب الإسلامي الرواية الإسرائيلية من جذورها، وإنما يدخل معها في صراع سياسي على الأرض، بينما تبقى القاعدة الدينية التي تستند إليها الرواية الإسرائيلية دون تفكيك قرآني كافٍ. وهذا — وفق هذه القراءة — يساعد على استمرار التعاطف الدولي مع إسرائيل، وخصوصًا لدى قطاعات من العالم المسيحي، لأن الرواية الإسرائيلية تبدو وكأنها متوافقة مع قصة دينية يعرفها العالم المسيحي ويؤمن بها.
أما العودة إلى القرآن فتفتح مسارًا مختلفًا تمامًا: قبل أن نبحث عن الوعد يجب أن نبحث عن إسرائيل، وقبل أن نبحث عن الأرض يجب أن نبحث عن الهوية، وقبل أن نقبل الرواية التاريخية يجب أن نعرضها على القرآن.
وهنا يصبح السؤال المركزي: هل أخطأ المسلمون حين هجروا القرآن إلى التراث، فتركوا الرواية التي قامت عليها شرعية إسرائيل الحديثة دون تفكيك، بينما كان القرآن نفسه يفتح بابًا مختلفًا لفهم إسرائيل وبني إسرائيل؟
ومن ثم فإن العودة إلى القرآن ليست مجرد عودة دينية، بل يمكن أن تصبح إعادة بناء للرؤية العربية والإسلامية للقضية الفلسطينية من أساسها القرآني.
