إذا تكفّل الله بحفظ القرآن، فأين انتقل الصراع؟

من صراع تغيير النص إلى صراع تفسير النص: قراءة في انتقال ميدان الصراع من الكتاب إلى الإنسان.

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 9 قسماً

مقدمة: انتقال ميدان الصراع من الكتاب إلى الإنسان

ليست «أكبر مؤامرة في التاريخ البشري» — وفق هذه الفرضية — مؤامرة سياسية محددة أو مشروعًا مرتبطًا بمرحلة زمنية واحدة، بل هي صراع ممتد بين قوى الهداية وقوى الإضلال، بدأ منذ مواجهة إبليس للإنسان، واستمر عبر التاريخ من خلال التفاعل بين الإغواء الشيطاني والاختيارات البشرية.

فجوهر هذا الصراع، بحسب التصور القرآني، ليس فقط السيطرة على الأرض أو امتلاك القوة، بل التأثير في وعي الإنسان، وإبعاده عن الوحي، وتحويل علاقته بالله من علاقة مباشرة قائمة على الهداية إلى علاقة تتحكم فيها السلطات البشرية والصراعات والتأويلات.

ويستند هذا التصور إلى أن القرآن يقدم صورة لصراع مستمر بين الإنسان وقوى الإغواء:

﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا

[الأنعام: ١١٢]

كما يذكر القرآن اعتراف أهل النار بوجود من أضلهم من الجن والإنس:

﴿ رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا

[فصلت: ٢٩]

وبناءً على هذه الرؤية، فإن الصراع الأكبر لا يتمثل فقط في محاولة إبعاد الإنسان عن الدين، بل في إعادة تشكيل فهمه للدين، بحيث يصبح الإنسان تابعًا لمنظومات بشرية تدّعي امتلاك الحقيقة باسم الوحي.

ومن هنا يظهر السؤال المركزي:

إذا كان الله قد تكفّل بحفظ القرآن، فأين يكون ميدان الصراع؟

أولًا: حفظ النص وانتقال الصراع إلى تفسير النص

من أكثر الأسئلة عمقًا في تاريخ الأديان: إذا كان الله قد حفظ الوحي، فهل يكون الصراع الحقيقي حول بقاء النص؟ أم حول الإنسان الذي يحمل النص ويفسره؟

فالقرآن يعلن وعد الحفظ:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ

[الحجر: ٩]

ويقول:

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ

[القيامة: ١٧]

ويقول:

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ

[الأعلى: ٦]

وبحسب هذا التصور، فإن القرآن يقدم نفسه باعتباره نصًا محفوظًا بعناية إلهية، لا يعتمد بقاؤه على قوة بشرية أو مؤسسة دينية أو سلطة تاريخية.

لكن حفظ النص لا يعني انتهاء الصراع؛ بل يعني انتقاله إلى مجال آخر. فإذا أصبح تغيير الكتاب غير ممكن، يصبح المجال الأكثر تأثيرًا هو: تفسير الكتاب، والروايات التي تحيط بالكتاب، والمرجعيات التي تدّعي امتلاك المعنى الصحيح له، والجهات التي تتحدث باسم الوحي.

فأخطر أشكال الصراع ليست دائمًا محاولة إسقاط النص، بل بناء منظومات بشرية حول النص تجعل الإنسان يتلقى كلام الله من خلال طبقات من التأويلات والمصالح والسلطات.

ومن هنا تنطلق هذه الفرضية لدراسة مسار الصراع في التاريخ الديني: من الصراع حول الوحي داخل تاريخ بني إسرائيل، إلى مواجهة عيسى عليه السلام لبعض مظاهر السلطة الدينية، إلى رسالة محمد ﷺ وإعادة مركزية الوحي، ثم انتقال الصراع داخل الأمة الإسلامية إلى قضايا المرجعية والتفسير، وصولًا إلى أثر ذلك في الواقع الحضاري والسياسي المعاصر.

والسؤال الذي يحكم هذه الفرضية هو:

إذا كان الله قد حفظ القرآن من التغيير، فمن يملك حق تفسير القرآن؟

وهل يكون الاختبار الحقيقي في بقاء النص، أم في قدرة الإنسان على التعامل معه دون أن يجعل فهمه البشري حاكمًا على الوحي؟

ثانيًا: الجذر الأول للصراع — من الوحي إلى السلطة الدينية

تنطلق هذه الفرضية من أن القرآن لا يتحدث عن بني إسرائيل باعتبارهم عِرقًا أو سلالة بشرية، وإنما يعرض تاريخًا دينيًا وفكريًا نشأ داخله صراع بين اتجاهين: اتجاه حافظ على ارتباطه بالوحي، واتجاه جعل السلطة البشرية والتأويلات الدينية فوق أمر الله.

وبحسب هذه القراءة، فإن النقد القرآني لا يتوجه إلى أصل الانتماء أو النسب، بل إلى مواقف فكرية ودينية ظهرت لدى بعض الجماعات التي انتسبت إلى بني إسرائيل.

في إطار هذه الفرضية، لا يُطرح ذكر اليهود في القرآن باعتباره حديثًا عن عِرق أو جماعة بشرية من حيث الأصل، وإنما باعتباره نموذجًا فكريًا ودينيًا ظهر في سياق تاريخ بني إسرائيل، وجعله القرآن مثالًا للتحذير من أن تتحول العلاقة بالوحي من الهداية إلى السلطة، ومن التسليم لله إلى التحكم البشري في فهم أمر الله.

فالقرآن يعرض في قصص بني إسرائيل نماذج متعددة؛ منها نماذج الإيمان والاستقامة، ومنها نماذج الانحراف عندما تتقدم المصالح البشرية أو الأهواء أو السلطات الدينية على الوحي.

ومن هذا المنطلق، يصبح «النموذج اليهودي» الذي ينتقده القرآن رمزًا لمنهج فكري يقوم على تحريف المعاني، أو احتكار المعرفة الدينية، أو جعل الوسائط البشرية حاكمة على الرسالة الإلهية.

ولهذا يكرر القرآن التحذير من بعض الممارسات التي ظهرت عند فئات ممن انتسبوا إلى اليهودية:

﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ

[النساء: ٤٦]

وقوله:

﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ

[التوبة: ٣١]

فالمقصود في هذا السياق ليس الهوية البشرية، وإنما النموذج الفكري: عندما تتحول المرجعية من الله إلى سلطة بشرية تتحدث باسم الله، وعندما يصبح تفسير الإنسان للوحي منافسًا للوحي نفسه.

وبحسب هذه القراءة، فإن ذكر هذا النموذج في القرآن يأتي باعتباره سنة متكررة في التاريخ؛ فالانحراف لا يبدأ دائمًا برفض الوحي، بل قد يبدأ من داخل المجال الديني نفسه، عندما تُستبدل الهداية الإلهية بمنظومات بشرية تدّعي امتلاك الحقيقة.

ثالثًا: عيسى عليه السلام ومواجهة بعض مظاهر السلطة الدينية

وفق هذه الفرضية، جاء عيسى بن مريم عليه السلام في بيئة دينية كان فيها صراع بين رسالة الوحي وبين بعض الممارسات التي ارتبطت بجزء من القيادات الدينية في بني إسرائيل.

ولم يأتِ عيسى عليه السلام لإلغاء التوراة أو نقض أصل الرسالات السابقة، بل جاء — وفق التصور القرآني — مصدقًا لما سبقه من الوحي، ومصححًا لما دخل على الدين من تشدد أو تأويلات بشرية أخرجت الشريعة عن مقاصدها.

﴿ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ

[آل عمران: ٥٠]

وبحسب هذه القراءة، فإن جوهر الخلاف لم يكن حول الإيمان بالله أو أصل الشريعة، وإنما حول مصدر السلطة الدينية وكيفية فهم الوحي.

فقد ظهر في رسالة عيسى عليه السلام نقد لبعض الممارسات التي جعلت التقاليد البشرية والمظاهر الدينية تتقدم على مقاصد الشريعة، وهو ما يظهر في الأناجيل في قوله:

«تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ وَتَمَسَّكْتُمْ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ» (مرقس ٧: ٨){1}

كما ورد نقده لبعض الكتبة والفريسيين بسبب الاهتمام بالشكل الخارجي للدين مع إهمال جوهر العدل والرحمة:

«وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ، وَهُمَا مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوآنِ اخْتِطَافًا» (متى ٢٣: ٢٥){2}

وبحسب هذه الفرضية، فإن المواجهة لم تكن بين عيسى عليه السلام وبين كل بني إسرائيل، ولا بينه وبين كل من انتسب إلى اليهودية، وإنما كانت مع تيار ديني رأى في دعوته تهديدًا لمنظومة السلطة التي تشكلت حول تفسير الدين؛ لأن إعادة الإنسان إلى المرجعية الإلهية المباشرة تعني تقليل قدرة أي سلطة بشرية على احتكار فهم الوحي.

ولهذا يصبح جوهر الصراع: هل تكون الشريعة طريقًا لتحقيق الهداية والعدل والرحمة؟ أم تتحول إلى منظومة بشرية تملك سلطة التحكم في تفسيرها وتحديد علاقتها بالإنسان؟

ومن هنا تضع هذه الفرضية رسالة عيسى عليه السلام ضمن سلسلة من الرسالات التي واجهت انحراف المرجعية عندما أصبحت التقاليد البشرية تنافس الوحي أو تحجبه.

رابعًا: محمد ﷺ وعودة الصراع إلى جذوره

عندما جاء النبي محمد ﷺ، لم يقدم الإسلام نفسه كرسالة منفصلة عن تاريخ الوحي، بل باعتباره امتدادًا للرسالات السابقة وتصحيحًا لما دخل عليها من انحرافات بشرية:

﴿ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ

[المائدة: ٤٨]

فقد أعاد القرآن ترتيب العلاقة بين الإنسان والوحي، فجعل المرجعية العليا لله وحده، وأعاد الإنسان إلى الفطرة التي فطره الله عليها:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا

[الروم: ٣٠]

وبحسب هذه الفرضية، فإن ظهور الإسلام مثّل تحديًا لمنظومات دينية كانت قد بنت سلطتها حول تفسير الوحي؛ لأن الرسالة الجديدة لم تأتِ من خارج السياق الإبراهيمي، بل جاءت من داخله، حاملة دعوة لإعادة المرجعية إلى الله مباشرة.

ولهذا واجه النبي ﷺ مقاومة من جهات متعددة، وكان من بينها أحبار اليهود في المدينة الذين دخلوا في صراع مع الدعوة الإسلامية. ويذكر القرآن مواقف لبعض هذه الجماعات تمثلت في رفض الإيمان بالرسالة رغم معرفتهم بصفات النبي المذكورة في كتبهم وفق التصور القرآني، والجدال حول الوحي والرسالة، ومحاولة التشكيك في الدعوة.

﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ

[البقرة: ٨٩]

كما قال:

﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمْ

[البقرة: ١٠٩]

ووفق هذه الفرضية، فإن الصراع لم يكن فقط حول قبول رسول جديد، بل حول انهيار منظومة مرجعية قديمة أمام رسالة تعيد الإنسان إلى الوحي باعتباره المرجع الأعلى.

لكن إسقاط النص القرآني لم يكن ممكنًا وفق الوعد الإلهي بالحفظ. ولهذا انتقل المجال إلى الإنسان الذي يحمل النص: كيف يفهم القرآن؟ من يحدد تفسيره؟ ما الروايات التي تدخل في فهمه؟ ومن يملك سلطة الحديث باسم الدين؟

وهنا يظهر التحول الأساسي: من محاولة إسقاط الرسالة إلى محاولة التأثير في فهم الرسالة.

خامسًا: الانتقال من مواجهة النص إلى التأثير في الفهم

إذا كان القرآن محفوظًا، فإن تغيير النص يصبح غير ممكن. لذلك ينتقل الصراع إلى المجالات المحيطة بالنص.

الرواية: لأنها مجال بشري يمكن أن تتعدد فيه المواقف والاختلافات، وتصبح جزءًا من تشكيل الفهم الديني.

التفسير: لأن تفسير النص يحدد طريقة تعامل الإنسان معه، ويؤثر في الأحكام والرؤية العامة للدين.

المرجعية: لأن الجهة التي تمتلك حق تفسير النص تمتلك قدرة كبيرة على تشكيل الوعي الديني والاجتماعي.

وهنا يظهر السؤال المركزي:

هل الإنسان يتبع القرآن؟ أم يتبع منظومة تفسيرية حول القرآن؟

سادسًا: إسقاط الفرضية على التاريخ الإسلامي

بعد وفاة النبي ﷺ ظهرت خلافات سياسية حول القيادة وإدارة المجتمع، ثم تطورت هذه الخلافات إلى مدارس فكرية ومذهبية كبرى، لكل منها تصورها الخاص حول المرجعية الدينية.

فنشأ الاتجاه الشيعي الذي جعل الإمامة محورًا أساسيًا في بناء المرجعية الدينية والسياسية، والاتجاه السني الذي جعل الخلافة والجماعة وحجية السنة محورًا أساسيًا في بناء المرجعية.

ومع مرور الزمن أصبحت الروايات والتأويلات والمدارس الكلامية والفقهية جزءًا من بناء الهوية لكل اتجاه.

وبحسب هذه الفرضية: لم يتغير القرآن، ولكن تعددت الجهات التي تتحدث باسمه. فبقي النص واحدًا، بينما تعددت القراءات البشرية حوله.

وهنا يعود السؤال: هل الاختلاف هو اختلاف في القرآن؟ أم اختلاف في فهم البشر للقرآن؟

سابعًا: إسقاط الفرضية على الواقع المعاصر

وفق هذه القراءة، فإن الصراع حول المرجعية لم يبقَ داخل الكتب والمذاهب، بل امتد إلى التاريخ السياسي والحضاري، حيث أصبحت الأفكار الدينية والهويات الثقافية جزءًا من مشاريع القوة والنفوذ.

ومن أبرز الأمثلة التي تطرحها هذه الفرضية القضية الفلسطينية، حيث ترى أن قيام المشروع اليهودي الصهيوني في فلسطين لم يكن مجرد حدث سياسي منفصل، بل جاء ضمن تداخل بين أفكار دينية وسياسية ومصالح دولية.

والسؤال الذي تطرحه هذه القراءة هو: كيف انتقلت العلاقة بين بعض القوى المسيحية الغربية والحركة اليهودية الصهيونية من تاريخ طويل من الصراعات إلى مستوى من التعاون السياسي والعسكري؟

وفق هذه الفرضية، فإن تفسير هذا التحول لا يقوم على العامل الديني وحده، بل على تداخل الدين مع المصالح السياسية والاستراتيجية. فبعض التيارات المسيحية الغربية، خصوصًا التيارات الداعمة للصهيونية المسيحية، رأت في قيام إسرائيل تحقيقًا لتصورات دينية خاصة بها، بينما رأت القوى السياسية الغربية في دعم إسرائيل مصالح مرتبطة بالنفوذ والجغرافيا السياسية.

وبهذا المنظور، يصبح السؤال ليس عن علاقة الأديان ببعضها، بل عن كيفية توظيف الأفكار الدينية داخل مشاريع سياسية.

كما ترى هذه الفرضية أن الانقسامات داخل العالم الإسلامي، وخاصة الصراعات السياسية والمذهبية، أضعفت القدرة على بناء رؤية مشتركة تجاه القضايا الكبرى، وخلقت بيئة ساعدت على استمرار النفوذ في المنطقة.

وهنا تعود الفرضية إلى فكرتها الأساسية: إذا كان الصراع الأول هو السيطرة على فهم الوحي، فإن أثره في التاريخ يظهر عندما تتحول الانقسامات البشرية حول الدين إلى أدوات للصراع السياسي.

فتصبح القضية ليست فقط: من يملك الأرض؟ بل: من يملك القدرة على تشكيل وعي الإنسان؟ ومن يستطيع توجيه اختياراته وتقسيمه وإبقائه داخل صراعات تمنعه من رؤية المصالح المشتركة؟

الخاتمة: حفظ النص لا ينهي الصراع، بل ينقله إلى الإنسان

وفق هذه الفرضية، فإن أعظم صراع في تاريخ الأديان لم يكن فقط حول وجود النص المقدس أو بقائه، لأن الوحي — بحسب الإيمان القرآني — محفوظ بحفظ الله. لكن الصراع انتقل إلى المجال الأكثر تأثيرًا: إلى الإنسان الذي يفسر النص.

فإذا تعذر تغيير الكتاب، يصبح التأثير من خلال طريقة فهمه، والروايات التي تحيط به، والمرجعيات التي تتحدث باسمه، والجماعات التي تجعل تفسيرها الخاص معيارًا للحقيقة.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل بقي القرآن؟ فالجواب وفق الإيمان القرآني: نعم. بل السؤال:

هل بقي القرآن هو المرجع الأعلى في وعي الإنسان؟ أم أصبحت المنظومات البشرية حول القرآن تنافسه في تشكيل الفهم والاعتقاد؟

فالقرآن واحد، لكن التاريخ أظهر تعدد المدارس والاتجاهات التي تحدثت باسمه، وكل مدرسة قدمت قراءتها باعتبارها الأقرب إلى الحق.

ومن هنا فإن المعركة الكبرى — وفق هذه الفرضية — ليست مع النص الإلهي، لأن النص محفوظ، وإنما مع قابلية الإنسان لأن يحوّل فهمه للنص إلى سلطة فوق النص.

ولهذا يبقى السؤال المحوري: إذا تكفّل الله بحفظ القرآن، فأين انتقل الصراع؟

والإجابة التي تقترحها هذه الفرضية: انتقل من تغيير الكتاب إلى تفسير الكتاب، ومن مواجهة الوحي إلى التحكم في فهم الوحي، ومن النص المقدس إلى السلطة التي تتحدث باسمه.

ويبقى الاختبار الحقيقي للإنسان: هل يجعل الوحي حاكمًا على أفكاره وتراثه ومصالحه؟ أم يجعل أفكاره وتراثه ومصالحه حاكمة على الوحي؟

الهوامش

  1. [1]إنجيل مرقس، الإصحاح السابع، الآية ٨ (ترجمة الفاندايك).
  2. [2]إنجيل متى، الإصحاح الثالث والعشرون، الآية ٢٥ (ترجمة الفاندايك).

رفيق القراءة