خدعة العصر

إيران وإسرائيل بين الحرب المعلنة والنتائج المخططة: قراءة في النتائج لا في الخطابات.

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 9 قسماً

مقدمة

من أكثر الأسئلة التي تفرض نفسها أمام المشهد الشرق أوسطي اليوم: هل الحرب بين إيران وإسرائيل حرب حقيقية بين خصمين يسعى كل منهما إلى القضاء على الآخر، أم أننا أمام خدعة استراتيجية أكبر، تتجاوز أهدافها المعلنة حدود المواجهة بين الطرفين؟

في ظاهر المشهد، تبدو إيران وإسرائيل في حالة صراع مباشر، وتتبادل كل منهما التهديدات والضربات العسكرية، بينما يتابع العالم العمليات والتصريحات والخطابات السياسية. لكنني في هذه القراءة لا أنظر فقط إلى ما تقوله إيران أو إسرائيل، وإنما أنظر إلى ما يحدث فعليًا على الأرض، وإلى النتائج التي تنتج عن هذه الحرب.

فالسؤال بالنسبة لي ليس فقط: من يضرب من؟ بل: من الذي يخسر؟ ومن الذي تتراجع قدراته؟ ومن الذي يستفيد من النتائج؟

إذا كانت إيران تعتبر إسرائيل عدوها الرئيسي، وإذا كانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في خطابها السياسي، فلماذا تتحول بعض الضربات الإيرانية خلال التصعيد إلى دول الخليج، وتصل إلى بيوت المدنيين، وتهدد النساء والأطفال؟ وهنا يبدأ السؤال الحقيقي بالنسبة لي: هل ما نراه هو بالفعل الحرب التي تعلنها الأطراف، أم أن وراءها مسارًا استراتيجيًا أوسع؟

إيران وإسرائيل: حرب معلنة أم خدعة استراتيجية؟

تقدم إيران نفسها باعتبارها في مواجهة مع إسرائيل، وتعلن أن إسرائيل تمثل خطرًا على المنطقة، كما تقدم دعمها للقضية الفلسطينية باعتباره جزءًا من مشروعها السياسي. وفي المقابل، تقدم إسرائيل إيران باعتبارها أحد أكبر مصادر التهديد لأمنها وللمنطقة. وبذلك يبدو المشهد واضحًا: عدوان متبادل وخصومة معلنة وحرب بين طرفين.

لكن عندما ننظر إلى النتائج بدل الخطابات، تظهر صورة مختلفة. فالمنطقة العربية تدفع جزءًا كبيرًا من الثمن، بينما لا تتحول المواجهة بالضرورة إلى ضغط مباشر على إسرائيل بالقدر الذي يتوقعه المرء من حرب يقال إنها تستهدفها. بل نجد دول الخليج وشعوبها تدخل في دائرة الاستهداف والخطر، وتتعرض المنشآت والمنازل والمجتمعات المدنية للتهديد.

وهنا أجد نفسي أمام سؤال جوهري: إذا كانت الحرب ضد إسرائيل، فلماذا يدفع المسلمون في الخليج ثمنها؟ فالحرب التي يُفترض أن تواجه إسرائيل لا ينبغي، وفق هذا المنطق، أن تنتهي إلى توسيع دائرة الخطر على دول عربية ليست طرفًا في احتلال فلسطين.

من فلسطين إلى الخليج

هذه هي النقطة التي أراها الأكثر إثارة للتساؤل. إيران تمتلك خطابًا طويلًا عن فلسطين وتحرير القدس ومواجهة إسرائيل، لكن عندما تصل المواجهة إلى مرحلة عسكرية واسعة، يجد المواطن الخليجي نفسه أمام صواريخ وطائرات مسيّرة وخطر يقترب من منزله ومنشآته ومدنه.

وهنا يظهر التناقض بين الخطاب المعلن والنتيجة الواقعية. فما قيمة الحديث عن تحرير فلسطين إذا كانت النتيجة هي ضرب المسلمين في الخليج؟ وما معنى مواجهة إسرائيل إذا كانت الحرب تؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف دول عربية، وتهديد اقتصاداتها، وتعريض شعوبها للخطر؟

من هنا أطرح احتمالًا لا أراه من السهل تجاهله: هل تحولت دول الخليج إلى ساحة بديلة لصراع يفترض أنه موجه أساسًا ضد إسرائيل؟

القضاء على عناصر القوة في الخليج

دول الخليج ليست مجرد مجموعة من الدول العربية. إنها تمثل أحد أهم مراكز القوة الاقتصادية في العالم العربي، بما تمتلكه من النفط والغاز والموانئ والممرات البحرية والاستثمارات والثروة المالية. ولهذا فإن استهداف الخليج لا يعني فقط استهداف مدن أو منشآت، بل يمكن أن يعني استهداف أحد أهم عناصر القوة العربية.

فإذا تعرضت هذه الدول للاستنزاف العسكري والاقتصادي، وأصبحت الطاقة والممرات البحرية مهددة، ودخلت المنطقة في سباق تسلح وحالة دائمة من الخوف وعدم الاستقرار، فإن آثار ذلك تتجاوز الخسائر المباشرة. فالاستنزاف المستمر يقلل قدرة الدول على الاستثمار في التنمية وبناء القوة، ويزيد اعتمادها على الحماية والتحالفات الخارجية، ويؤثر في قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم: هل استهداف الخليج مجرد نتيجة جانبية للحرب، أم أن إضعاف الخليج يمثل جزءًا من نتائجها الأوسع؟

من المستفيد من النتيجة؟

أنا لا أبني هذه القراءة على سؤال: من قال الحقيقة؟ بل على سؤال أكثر ارتباطًا بالواقع: من يستفيد من النتيجة؟ إذا أدت الحرب إلى استنزاف إيران، وإضعاف دول الخليج، وتهديد مصادر الطاقة، وإرباك الاقتصاد العربي، وزيادة سباق التسلح، وإضعاف الدول العربية سياسيًا وعسكريًا، فإن هذه النتائج تستحق أن تُدرس بعيدًا عن الخطابات الرسمية.

والأهم أن نسأل: إذا كانت إسرائيل تخرج من مراحل الصراع وهي ما زالت تحتفظ بتفوقها العسكري والتكنولوجي، بينما تستنزف المنطقة العربية في حروب متواصلة، فهل نحن أمام مجرد حرب بين دولتين، أم أمام مسار يعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة؟

قد لا يكون الطرفان بحاجة إلى أن يكونا حليفين حتى تنتج الحرب بينهما نتائج تتقاطع مع مصالح مشتركة أو مصالح أطراف أخرى. ولهذا لا أقول إن إيران وإسرائيل حليفتان، وإنما أطرح سؤالًا مختلفًا: هل يمكن أن تكون هناك نتائج مشتركة لحرب تبدو في ظاهرها حربًا بين عدوين؟

أين فلسطين من كل ذلك؟

السؤال الأكثر إيلامًا بالنسبة لي هو: أين فلسطين في هذه المعادلة؟ فالشعب الفلسطيني يعيش تحت الاحتلال، وغزة عانت من الدمار والقتل والنزوح، بينما تعرض لبنان وسوريا لسنوات من الصراعات الإقليمية والدولية.

وكان يمكن لأي مواجهة مع إسرائيل، وفق الخطاب المعلن عن مقاومة المشروع الإسرائيلي، أن تكون فرصة لتخفيف الضغط عن الفلسطينيين، أو إضعاف القدرات الإسرائيلية، أو فرض واقع جديد يخدم شعوب المنطقة. لكن عندما تتحول المواجهة إلى ضرب دول الخليج وتهديد المدنيين واستهداف المنازل، يصبح من المشروع أن نسأل: هل هذه الحرب تخدم فلسطين فعلًا، أم أنها تفتح جبهات جديدة ضد شعوب عربية أخرى؟

فدول الخليج ليست هي التي تحتل فلسطين، وشعوب الخليج ليست هي التي تفرض الاحتلال على الفلسطينيين؛ بل إن القضية الفلسطينية حاضرة في وجدان الشعوب العربية والإسلامية. ولهذا فإن إضعاف الخليج يعني، في النهاية، إضعاف جزء مهم من العالم العربي الذي يمكن أن يكون له تأثير سياسي واقتصادي في القضية الفلسطينية.

وهنا تظهر المفارقة: الحرب التي يقال إنها ضد إسرائيل قد تنتهي بإضعاف الأطراف العربية التي يفترض أنها الأقرب إلى فلسطين.

النتيجة غير المعلنة

من هنا أصل إلى جوهر هذه القراءة. أنا لا أزعم أنني أملك الحقيقة النهائية، ولا أقول إن كل الأحداث يجري التحكم بها من جهة واحدة. لكنني أطرح احتمالًا أراه جديرًا بالدراسة: هل الحرب بين إيران وإسرائيل، رغم حقيقتها العسكرية وخطابها العدائي، تتحرك ضمن مسار استراتيجي أوسع تكون إحدى نتائجه إضعاف دول الخليج والعالم العربي؟

إذا كانت الحرب تؤدي إلى استنزاف الدول العربية، وتهديد الخليج، واضطراب أمن الطاقة، وإضعاف الاقتصاد، وزيادة سباق التسلح، واستمرار عدم الاستقرار، واستمرار التفوق الإسرائيلي، واستمرار معاناة الفلسطينيين — فإن من حق الباحث أن يتساءل عن طبيعة هذا المسار، وعن الجهات التي يمكن أن تستفيد منه.

فقد تكون الحرب حقيقية من الناحية العسكرية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن نتائجها تقتصر على الأهداف التي تعلنها أطرافها. وهنا تحديدًا تظهر فكرة خدعة العصر: أن يرى الناس حربًا بين إيران وإسرائيل، بينما تكون النتيجة الأعمق هي إعادة تشكيل المنطقة وإضعاف عناصر القوة فيها.

الخريطة الأكبر

لفهم المشهد، لا يكفي النظر إلى إيران وإسرائيل وحدهما؛ يجب النظر إلى الخريطة كاملة: إيران، إسرائيل، الخليج، العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، البحر الأحمر، مضيق هرمز، الطاقة، الاقتصاد العالمي، والتحالفات الدولية.

فالدول تتحرك وفق حسابات الأمن والنفوذ والاقتصاد والطاقة والممرات البحرية، وقد تكون نتائج الحروب أكبر بكثير من الأهداف المعلنة عنها. ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: من أطلق الصاروخ؟ بل يجب أن يمتد إلى: ماذا أحدث الصاروخ؟ وإلى أين تقودنا نتائجه؟

الخاتمة

لا أطرح هذه القراءة باعتبارها حقيقة خفية عن العامة، وإنما باعتبارها سؤالًا مفتوحًا أمام الباحث والقارئ. فالسؤال ليس فقط: هل إيران وإسرائيل عدوتان؟ فالعداء المعلن واضح. السؤال الأهم هو: إلى أين تقود هذه الحرب؟

إذا كانت إيران تقول إنها تواجه إسرائيل من أجل فلسطين، فلماذا يجد المسلمون في الخليج أنفسهم تحت الصواريخ؟ وإذا كانت الحرب بين إيران وإسرائيل ت�ؤدي في الوقت نفسه إلى استنزاف إيران، وتهديد الخليج، وإضعاف العالم العربي، واستمرار التفوق الإسرائيلي، فمن حقنا أن نتساءل: هل هذه مجرد نتائج غير مقصودة، أم أن هناك مسارًا استراتيجيًا أوسع؟

هنا تكمن خدعة العصر: أن ينشغل الناس بمن يضرب من، بينما لا يسألون: من الذي يخسر؟ ومن الذي يستفيد؟ وإلى أين تقودنا النتيجة النهائية؟

فربما لا تكون أخطر الحروب هي تلك التي نراها في شاشات الأخبار، وإنما تلك التي لا نفهم أهدافها الحقيقية إلا بعد أن تنتهي. ومن هنا يبقى السؤال مفتوحًا: هل الحرب بين إيران وإسرائيل حرب حقيقية هدفها القضاء على الخصم، أم أنها جزء من خدعة استراتيجية أكبر، تكون من نتائجها القضاء على عناصر القوة في الخليج وإضعاف العالم العربي، بينما تبقى فلسطين هي الخاسر الأكبر؟

الهوامش

  1. [1]المنهج المتبع هنا هو قراءة النتائج لا الخطابات: تحليل ما ينتج عن التصعيد فعليًا، بدل الاكتفاء بالأهداف التي تعلنها أطرافه.
  2. [2]المقصود بعناصر القوة: الطاقة، والممرات البحرية، والموانئ، والاستثمارات، والاستقرار الذي تقوم عليه خطط التنمية.
  3. [3]طرح السؤال عن تقاطع النتائج ليس ادّعاءً لتحالف سياسي، بل دعوة إلى دراسة آثار الصراع بمعايير القوة والمصلحة.

رفيق القراءة