التفريق لا التعميم: ميزان قرآني في فهم الصراع

كيف يمنع الميزان القرآني الانزلاق إلى الأحكام الجماعية، ويفرّق بين الانحراف العقدي والانتماء العرقي.

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 6 قسماً

مقدمة

في خضم الخطاب المتوتر حول الصراع في المنطقة، تبرز الحاجة إلى ميزان دقيق يضبط الفهم ويمنع الانزلاق إلى التعميم. فالقضايا السياسية حين تختلط بالدين يسهل أن تتحول إلى أحكام جماعية، بينما القرآن نفسه يرسّخ مبدأ التفريق والعدل.

نحن لا نتهم المسيحيين كعرق، ولا نتحدث بمنطق عنصري. فالمسيحية شريعة دينية، وأتباعها شعوب متعددة: فيهم المؤمن المتدين، وفيهم العلماني، وفيهم المعارض للصهيونية، وفيهم المؤيد لها. والتعميم العرقي أو الديني خطأ أخلاقي، ومخالف لميزان القرآن الذي يقوم على التفريق وعدم إطلاق الأحكام الجماعية.

لكن القرآن — في تحليله التاريخي للعقائد — أشار إلى أنماط من العداء العقدي، وربطها بمواقف فكرية ومنهجية، لا بانتماء عرقي.

نمط عقدي لا حكم عرقي

﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا

[المائدة: ٨٢]

فالآية تتحدث عن سياق تاريخي ونمط عقدي، لا عن حكم مطلق على كل فرد. والعداوة هنا ليست لأن المسلمين «مسلمون» بالاسم، بل لأنهم «مؤمنون» — أي أصحاب رسالة توحيد تنافس منظومات دينية وسياسية قائمة. فالقرآن ينتقد تحريفًا عقديًا وسلوكيًا وقع في بني إسرائيل عبر التاريخ، كما انتقد انحرافات في أمم أخرى؛ والنقد موجَّه إلى الانحراف عن التوحيد والعدل، لا إلى الهوية العرقية.

﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ

[المائدة: ٨٢]

وذلك لأن رسالة عيسى عليه السلام في أصلها قامت على الرحمة والزهد والتسامح، ولأن بنيتها الروحية أقل ارتباطًا بالسلطة السياسية مقارنة ببعض القراءات التي تداخل فيها الدين مع المشروع القومي السياسي.

نقطة دقيقة: المسيحية الصهيونية

عندما يتبنى مسيحي خطابًا سياسيًا قائمًا على تأويلات حرفية للعهد القديم، ويربط الإيمان بمشروع جيوسياسي يعتبر الأرض وعدًا حصريًا إلهيًا، فإنه لا يتحرك ضمن روح رسالة عيسى كما يفهمها المسلمون، بل ضمن قراءة لاهوتية سياسية أقرب إلى الفكر الصهيوني التوراتي. وهذا ما يُعرف اليوم بالمسيحية الصهيونية، وهو تيار سياسي لاهوتي محدد، لا يمثل كل المسيحية.

وكما أن هناك مسيحيين متصهينين، هناك أيضًا مسلمون يتبنون السردية الصهيونية سياسيًا أو فكريًا، ويعيدون إنتاج مفاهيم لا تنطلق من ميزان قرآني، بل من قراءات سياسية معاصرة؛ فالاصطفاف السياسي لا يُقاس بمجرد الانتماء الديني.

إذن القضية ليست مسيحيين مقابل مسلمين، وليست صراعًا فطريًا عقائديًا بين أتباع الديانات، بل هي منظومات فكرية وسياسية تتبنى قراءة معينة للنصوص، وتحولها إلى مشروع صراع وهيمنة.

فالقرآن لا يؤسس لعداء عرقي، بل يحذر من تحالفات فكرية منحرفة، ومن انحرافات عقدية تؤدي إلى الظلم والعدوان، ويؤكد أن في كل أمة صالحين ومعتدلين، وأن الناس ليسوا سواء. والخطورة اليوم ليست في وجود خلاف ديني — فهذا أمر قديم — بل في تحويل الخلاف إلى مشروع حرب دينية شاملة.

ومن واجب المثقف المسلم أن يرفض العنصرية ضد الطوائف والأعراق، وأن يميز بين المسيحية كرسالة روحية والمسيحية الصهيونية كتيار سياسي، وأن يبقي الصراع في إطاره السياسي والحقوقي، لا في إطار شيطنة جماعية.

دقة التعبير القرآني بين «اليهود» و«بني إسرائيل»

في الآية السابقة لم يقل الله «بني إسرائيل»، وهذا فرق جوهري في السياق. فمصطلح **بني إسرائيل** يشير إلى جماعة نسبٍ وقوم، وقد ذكر الله فيهم الصالح والطالح:

﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ

[الأعراف: ١٥٩]

﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ

[آل عمران: ١١٠]

فلو كان المقصود حكمًا عرقيًا عامًا لقال «بني إسرائيل» بإطلاق. أما لفظ **اليهود** فيأتي في سياق ديني عقدي، أي الذين تهوّدوا واتخذوا مسارًا عقديًا معينًا انحرف عمّا جاء به موسى؛ فالحديث عن موقف ديني وفكري في سياق تاريخي، لا عن عرق أو نسب.

إذن الآية لا تؤسس لعنصرية عرقية، بل تشير إلى نمط عقدي ظهر في سياق معين من الصراع مع الرسالة الجديدة. وهذا يتماشى مع ميزان القرآن العام: لا إدانة عرقية مطلقة، ولا تعميم على كل فرد، بل توصيف لحالة عقدية وسلوكية في سياق تاريخي محدد. وقد أكد القرآن التفريق داخل أهل الكتاب فقال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.

كيف نسقط هذا على واقعنا اليوم

الوعي بالتمييز بين الصراع السياسي والفكر المنحرف والفكر المسيحي الصهيوني يساعدنا على فهم ما يحدث في الواقع العربي المعاصر. فالصراع الذي يفرضه زعماء سياسيون ليس صراعًا مع المسيحيين ككل، بل هو جزء من مشروع سياسي وعقائدي محدد يسعى لإعادة صياغة المنطقة وفق أهداف استراتيجية.

ويقع كثيرون في خطأ التعميم فيظنون أن كل المسيحيين أعداء، بينما المسيحيون يشكلون ربع سكان العالم، وفيهم المؤمن والمعارض والمؤيد، والغالبية ليست جزءًا من الصراع السياسي. والفهم الصحيح يضع الصراع في سياقه الفكري والسياسي، فيحمي المجتمعات من الانزلاق إلى عداء جماعي غير ضروري.

وليس من صالح المسلمين أن يقعوا في فخ سردية تُصوِّر المسيحيين أعداءً بالفطرة، لأن هذا التعميم يخدم خطاب الصراع الديني الشامل، ويُخرج القضية من ميزانها العادل إلى منطق المواجهة الوجودية المفتوحة.

التعميم المطلق ليس حقًا للبشر

فالبشر لا يعلمون ما في الصدور:

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

[لقمان: ٢٣]

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

[الأنعام: ١١٧]
فالحكم المطلق حق للخالق وحده، أما البشر فواجبهم العدل والتفريق، لا التعميم والشيطنة الجماعية. فالوعي الحقيقي يبدأ من التفريق… لا من التعميم.

رفيق القراءة