من كورونا إلى حرب إيران: خدعة الشرق الأوسط الكبرى وإعادة رسم النفوذ

سلسلة أزمات متدرجة تستنزف الخصوم وتعيد ترتيب مسارات الطاقة والنفوذ — ومن المستفيد فعلًا؟

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 7 قسماً

مقدمة

يمر الشرق الأوسط اليوم بأكثر المراحل حساسية منذ عقود، وخصوصًا منطقة الخليج. فالصراع الحالي مع إيران لا يقتصر على البرنامج النووي والصواريخ، بل هو جزء من مشروع أكبر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وربطه بمشروع ديني-سياسي واستراتيجي. وتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي تؤكد أن الهدف ليس فقط القضاء على القدرات الإيرانية، بل إعادة رسم مسارات الطاقة العالمية وترسيخ الهيمنة في المنطقة.

السؤال المحوري: هل الحرب على إيران هدفها احتواء تهديد نووي، أم أنها خطوة في مشروع أوسع لإعادة ترتيب النفوذ السياسي والديني والاقتصادي؟

أولًا: الخدعة الكبرى منذ كورونا

**كورونا (٢٠٢٠–٢٠٢٢): ** بداية مرحلة السيطرة على المعلومات، والتباين بين المعلن والخفي؛ وزعزعة الاقتصاد العالمي واستنزاف الدول، خصوصًا الخليجية؛ وتمهيد البيئة للتحولات الكبرى.

**حرب أوكرانيا (٢٠٢٢–٢٠٢٤): ** حرب استنزاف غير متكافئة، ينفق الغرب فيها مليارات لإضعاف روسيا اقتصاديًا وعسكريًا. والهدف ليس أوكرانيا فقط، بل إعادة ترتيب النفوذ العالمي، فيظهر نمط «الحرب الظاهرة مقابل الهدف الخفي».

**سوريا وغزة: ** الصراعات المستمرة أداة لإعادة توزيع النفوذ العسكري والسياسي، مع تفعيل البعد الديني والسياسي للمشروع الإسرائيلي، وتمهيد للمرحلة الحالية التي تربط القوة العسكرية بالبعد الرمزي.

**الحرب الحالية بين إسرائيل وإيران: ** الضربات على المنشآت الإيرانية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل إعادة رسم مسارات الطاقة وتأمين المصالح الكبرى. والخاسر الأكبر دول الخليج والاقتصاد العالمي، وأمريكا تُستنزف اقتصاديًا وعسكريًا كما حدث في أوكرانيا.

الخلاصة: كل هذه الأحداث تتماشى مع فرضية «خدعة عالمية» تتحرك عبر الأزمات لاستنزاف الخصوم وإعادة رسم النفوذ.

ثانيًا: القيادة السياسية في قلب المشروع

يمثل نتنياهو القوة السياسية التي تحوّل الأفكار الدينية إلى واقع استراتيجي: تثبيت مركزية القدس عالميًا، وتوسيع النفوذ الإسرائيلي، ودفع الولايات المتحدة لدعم سياسات إسرائيل؛ ومن أمثلته الاعتراف بالقدس عاصمة، ونقل السفارة الأمريكية، واتفاقيات التطبيع.

وفي إدارة الصراع مع إيران، تمثل طهران الخصم العسكري الأكبر وداعمًا لحركات المقاومة، وضربها أو إضعافها يمهد لتغيير موازين القوى الإقليمية. كما يُربط الأمن الإسرائيلي بالتحولات الإقليمية، فتتحول إسرائيل من دولة محاطة بالخصوم إلى مركز نفوذ إقليمي، مع توسيع التعاون الأمني والاقتصادي وإعادة رسم خريطة التحالفات.

وفي البعد الرمزي والديني، ترى بعض التيارات أن القادة السياسيين يمكن أن يمهدوا لمرحلة تاريخية كبرى مرتبطة بالهيكل الثالث والقدس؛ والفرق بين العقيدة الدينية والسياسات الرسمية مهم، لكنه يعكس عمق المشروع الاستراتيجي.

ثالثًا: المستفيدون والخاسرون

**المستفيدون: ** إسرائيل، بتفوق عسكري واستراتيجي ونفوذ سياسي وسيطرة على مسارات الطاقة؛ والمؤسسات المالية العالمية الكبرى، بأرباح هائلة من الأزمات وشراء الأصول المنهارة والاستثمار في الطاقة والدفاع.

**الخاسرون: ** دول الخليج، باضطراب تصدير النفط وارتفاع تكاليف الشحن ومخاطر أمنية مباشرة؛ وإيران، باقتصاد معرض للانهيار وضغوط عسكرية وسياسية؛ والولايات المتحدة، بتكاليف اقتصادية واستنزاف نفوذ طويل الأمد؛ والاقتصاد العالمي، بارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد وركود محتمل.

رابعًا: تفعيل القانون الدولي كبديل للحرب

**استخدام الفصل السابع: ** ترفع دول الخليج ملف التهديد إلى مجلس الأمن باعتباره تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، فيتيح الفصل السابع فرض عقوبات اقتصادية وحظر تسليح وتجميد أصول وقيود سفر، مع استخدام القوة الدولية كملاذ أخير.

**التحرك الدبلوماسي الإقليمي: ** تنسيق موقف مشترك خليجي لتقديم ملف شامل متفق عليه، وإشراك القوى الإقليمية والدولية المؤثرة لضمان فعالية القرار.

**دور الصين والفريق الدولي: ** استقطاب الصين كداعم رئيسي لاستقرار المنطقة وحماية مسارات الطاقة، والتعاون مع الدول دائمة العضوية لتحقيق توافق يزيد فرص فرض التدابير دون حرب مفتوحة.

**الأهداف العملية: ** تفادي الحرب المباشرة التي تهدد النفط والاقتصاد العالمي، وضمان ضغط اقتصادي وسياسي مستمر دون دماء إضافية، والحفاظ على الأمن الإقليمي واستقرار التجارة، خصوصًا في مضيق هرمز وباب المندب.

وإذا فُعّل الفصل السابع بشكل جاد وملزم، فالخسارة الأكبر ستكون لإسرائيل، لأن مشروعها في إعادة رسم مسارات الطاقة سيتكشف أمام العالم؛ وإيران تتحول من هدف إلى لاعب شرعي في السياسة الدولية؛ والخليج والصين يمكن أن يتحركا بحرية أكبر لضمان استقرار الطاقة.

خامسًا: النمط المتسق

كورونا ← أوكرانيا ← سوريا وغزة ← إسرائيل وإيران: سلسلة أزمات متدرجة، واستنزاف للخصوم، وإعادة ترتيب النفوذ السياسي والديني والاقتصادي.

والهدف الحقيقي للحرب هو إعادة رسم مسارات الطاقة العالمية، بحيث تتحول إسرائيل إلى العقدة المركزية التي تربط الشرق بالغرب، بعيدًا عن مضيق هرمز وباب المندب. والنتائج المتوقعة: إسرائيل مستفيدة رئيسية، ودول الخليج وإيران خاسرة، والعالم يواجه أزمة في الطاقة وأسواق النفط والغاز مع استنزاف محتمل لأمريكا وأوروبا.

الخاتمة

الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد ساحة نزاع، بل مختبر عالمي لإعادة ترتيب القوة والنفوذ: المستفيد الأكبر إسرائيل، والمستفيد المالي المؤسسات العالمية، والمستفيد الجيوسياسي روسيا والصين، والخاسر الأكبر الخليج وإيران والاقتصاد العالمي والنفوذ الأمريكي.

والوقت وحده كفيل بكشف النوايا الحقيقية، لكن المؤشرات الحالية تقول إننا في ذروة الخدعة الكبرى.

رفيق القراءة