الحروب الكبرى… من يخسر المعركة ومن يربح العالم بعدها؟
من الحرب الروسية–الأوكرانية إلى فرضية إعادة تشكيل النظام العالمي: قراءة في النتائج لا في المعارك.
من وجهة نظري، فإن الحرب الروسية–الأوكرانية تستحق أن تُقرأ بطريقة تتجاوز الرواية التقليدية التي تختزلها في صراع بين روسيا وأوكرانيا. أنا لا أتعامل مع فكرة «الحكومة الخفية» باعتبارها حقيقة مثبتة، وإنما أطرحها كفرضية: هل يمكن أن تكون هناك شبكة مصالح وقوى غير ظاهرة في المشهد، تستفيد من استمرار هذه الحرب ومن النتائج التي ستترتب عليها؟
ما يدفعني إلى طرح هذا السؤال هو التناقض الذي أراه بين حجم الصراع وطبيعته من جهة، والقدرات الهائلة للأطراف والقوى الموجودة خلفه من جهة أخرى. روسيا دولة نووية تمتلك موارد ضخمة وقاعدة صناعية وعسكرية كبيرة، بينما تعتمد أوكرانيا بدرجة كبيرة على الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي الغربي. ومع ذلك، لم تُحسم الحرب، بل تحولت إلى حرب استنزاف طويلة، تتغير فيها خطوط المواجهة وتتراكم فيها الخسائر.
سؤال التوقيت: كيف يصل رجل إلى موقعه في لحظة الحرب؟
وهنا يقودني السؤال إلى شخصية فولوديمير زيلينسكي. من وجهة نظري، يصعب عليّ أن أتعامل مع وجوده في هذا الموقع باعتباره مجرد صدفة سياسية؛ فقد وصل إلى رئاسة أوكرانيا بعد مسيرة في الفن والتمثيل، ومن دون تجربة سياسية أو عسكرية تقليدية تؤهله، وفق المعايير المعتادة، لقيادة دولة ستجد نفسها بعد سنوات قليلة في مواجهة واحدة من أخطر الحروب في العصر الحديث.
ولا أتحدث هنا عن شخصه، ولا عن قدرته على القيادة أو عن أدائه بعد اندلاع الحرب، وإنما عن التوقيت والموقع والدور الذي وجد نفسه فيه. ففي السياسة الكبرى، يصعب عليّ أن أؤمن بأن التحولات الكبرى تحدث دائمًا بصورة منفصلة أو عشوائية. قد توجد المصادفات في حياة الأفراد، لكن عندما نتحدث عن الدول الكبرى، والتحالفات، ومصادر الطاقة، والجيوش، وممرات التجارة، والأزمات الاقتصادية، فإن كل خطوة تؤثر في الخطوة التي تليها، وكل قرار يعيد تشكيل ميزان القوى.
هل كان وصول زيلينسكي إلى السلطة مجرد نتيجة طبيعية للتحولات الداخلية في أوكرانيا، أم أنه جاء في لحظة كان العالم والمنطقة يتجهان فيها أصلًا نحو مواجهة أكبر؟
ومن وجهة نظري، فإن الإجابة لا ينبغي أن تبحث في زيلينسكي وحده، وإنما في المسار الكامل للأحداث التي سبقته وأحاطت به. فالأهم من الشخص هو الدور الذي أصبح يؤديه داخل منظومة أكبر.
الحرب… ومن يستفيد من نتائجها؟
أنا لا أرى الأحداث الكبرى التي تقع في العالم كجزر منفصلة عن بعضها. الحرب العالمية الأولى لم تكن مجرد حرب انتهت بانتهاء المعارك؛ فقد أعادت رسم خريطة العالم، وأسقطت إمبراطوريات، وغيّرت موازين القوى. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وكانت نتائجها أكبر من مجرد انتصار طرف على طرف؛ فقد خرج منها نظام عالمي جديد، وقوى عظمى جديدة، ومؤسسات دولية جديدة، وترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية مختلفة تمامًا عن العالم الذي كان قبلها.
وهنا يطرح التاريخ سؤالًا لا يمكن تجاهله: من استفاد في النهاية من تلك الحروب؟ ليس فقط من ربح المعركة عسكريًا، وإنما من خرج منها أقوى سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا، ومن امتلك القدرة على تشكيل النظام الذي جاء بعدها.
ومن هنا تأتي قناعتي بأن قراءة السياسة الدولية لا ينبغي أن تركز فقط على من بدأ الحرب أو من أطلق الرصاصة الأولى، وإنما على من استفاد من النتائج التي صنعتها الحرب. فالحروب الكبرى لا تُقاس فقط بعدد القتلى أو بمساحة الأراضي التي تغيرت حدودها، وإنما بما تتركه خلفها من نظام جديد.
ولهذا عندما أنظر إلى الحرب الروسية–الأوكرانية، لا أسأل فقط: هل ستنتصر روسيا أم أوكرانيا؟ بل أسأل: كيف سيبدو العالم بعد انتهاء الحرب؟ ومن سيحدد شكله؟ ومن الذي يستعد اليوم للعالم الذي سيأتي بعدها؟
حرب تتجاوز أوكرانيا
إذا وضعت الحرب الروسية–الأوكرانية بجانب ما يحدث في الشرق الأوسط، والتحولات في أسواق الطاقة، وإعادة تشكيل التحالفات، وتصاعد الإنفاق العسكري، والاضطرابات الاقتصادية، فإنني أجد صعوبة في التعامل مع كل ذلك باعتباره مجموعة أحداث مستقلة لا رابط بينها.
الأحداث تسير، في نظري، في اتجاه واحد. قد تختلف الدول في أهدافها المباشرة، وقد تتصارع فيما بينها، وقد يعتقد كل طرف أنه يملك زمام المبادرة، لكن النتيجة النهائية قد تصب في اتجاه أكبر من إرادة الأطراف نفسها.
ولهذا أعود إلى السؤال المتعلق بزيلينسكي. ربما لا يكون هو من صنع الحرب، وربما لم يكن يعرف منذ البداية إلى أين ستقوده الأحداث. لكن السؤال بالنسبة لي ليس: هل زيلينسكي هو الذي خطط للحرب؟ بل: من وضعه في موقع يستطيع من خلاله أن يصبح أحد أهم وجوه هذه الحرب؟ ومن استفاد من تحوله إلى رمز عالمي للصراع؟ ومن استفاد من استمرار الحرب؟ ومن سيستفيد من العالم الذي سيخرج منها؟
وهنا تظهر فرضية أخرى: ماذا لو لم يكن الهدف النهائي هو تدمير أوكرانيا أو هزيمة روسيا، وإنما إعادة تشكيل أوروبا؟ فالحرب الطويلة لا تستنزف طرفيها فقط؛ بل تعيد تشكيل البيئة المحيطة بهما. روسيا تُستنزف عسكريًا واقتصاديًا. أوكرانيا تُدمّر وتفقد جزءًا كبيرًا من سكانها وبنيتها التحتية. أوروبا تتحمل أعباء اقتصادية وأمنية متزايدة. الإنفاق العسكري يرتفع. خريطة الطاقة الأوروبية تتغير. والقارة تدخل مرحلة جديدة من إعادة بناء منظومتها الدفاعية وترتيب علاقاتها الأمنية.
وربما لا يكون المطلوب أن تنتصر روسيا انتصارًا كاملًا، ولا أن تنتصر أوكرانيا انتصارًا كاملًا؛ وربما يكون المطلوب ألا ينتصر أحد.
لأن انتصار روسيا الكامل قد يؤدي إلى تغيير جذري في ميزان القوى داخل أوروبا، بينما قد يقود انتصار أوكرانيا الكامل إلى نتيجة مختلفة. أما استمرار الحرب فينتج وضعًا ثالثًا: استنزاف روسيا، وتدمير أوكرانيا، وإعادة تشكيل أوروبا.
العراق وليبيا وسوريا… هل يتكرر النمط؟
ولست بحاجة، من وجهة نظري، إلى النظر إلى أوكرانيا وحدها. في العراق، سقط النظام، لكن سقوطه لم يكن نهاية الصراع؛ أعقبه اضطراب سياسي وأمني وصراعات داخلية وإقليمية استمرت سنوات. وفي ليبيا، أدى التدخل العسكري إلى سقوط نظام القذافي، لكن الدولة لم تدخل بعدها مرحلة الاستقرار، بل دخلت في انقسام سياسي وعسكري ومؤسساتي طويل. وفي سوريا، تحولت الأزمة إلى حرب متعددة الأطراف، دخلت فيها قوى إقليمية ودولية وجماعات مسلحة، واستمر الصراع لسنوات طويلة، بينما تعرضت الدولة والمجتمع والاقتصاد إلى استنزاف هائل.
قد تختلف ظروف هذه الدول، وقد تختلف طبيعة الصراعات فيها، لكن المقارنة تطرح سؤالًا واحدًا: هل إسقاط نظام سياسي يعني بالضرورة بناء دولة مستقرة بعده؟ أم أن إبقاء الدولة في حالة ضعف وانقسام واستنزاف قد يكون أحيانًا جزءًا من النتيجة التي تلي الحرب؟
فمن يريد إضعاف دولة لا يحتاج بالضرورة إلى تدميرها بالكامل؛ قد يكون إبقاؤها في حالة استنزاف طويل أكثر تأثيرًا من إسقاطها دفعة واحدة. ومن هنا أعود إلى السؤال الأكبر: هل ما نراه مجرد نتائج غير مقصودة للحروب، أم أن إبقاء الدول في حالة إنهاك وعدم استقرار يمكن أن يتحول، في بعض الحالات، إلى هدف بحد ذاته؟
الشرق الأوسط وممرات الطاقة
ثم أنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية أخرى. إذا تزامنت الحرب الروسية–الأوكرانية مع صراع واسع حول إيران، ومع اضطراب محتمل في ممرات الطاقة، فإن المشهد يتجاوز حدود الدول المتحاربة: البحر الأسود، والبحر المتوسط، وباب المندب، والخليج، ومضيق هرمز. هذه ليست مجرد نقاط على الخريطة، وإنما ممرات استراتيجية تمر عبرها التجارة والطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.
وإذا تعرض أكثر من ممر من هذه الممرات للاضطراب في الوقت نفسه، فإن التأثير لا يبقى محصورًا في الدول التي تدور فيها الحروب: ترتفع أسعار الطاقة، وتتأثر التجارة العالمية، وترتفع تكاليف النقل والتأمين، وتزداد الضغوط الاقتصادية، وتصبح الحكومات أمام حاجة أكبر إلى إدارة الأزمات والسيطرة على تداعياتها.
وهنا أصل إلى الفرضية الأكبر: ماذا لو لم تكن الحروب والأزمات التي نشهدها أحداثًا منفصلة؟ ماذا لو كانت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تدفع العالم في اتجاه واحد: إضعاف الدول، واستنزاف الاقتصادات، وإعادة تشكيل التحالفات، وإعادة توزيع مصادر الطاقة، وزيادة الإنفاق العسكري، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا، وتحويل مفهوم الأمن من قضية وطنية إلى قضية ذات طابع عالمي؟
ثم تأتي مرحلة يشعر فيها الناس بأن النظام الدولي القائم لم يعد قادرًا على التعامل مع حجم الأزمات المتراكمة. وعندها قد يظهر سؤال جديد: ألا نحتاج إلى نظام عالمي جديد؟ نظام أكثر مركزية، ومؤسسات دولية أكثر قوة، وآليات مالية أكثر توحيدًا، وأنظمة رقمية أكثر إحكامًا، وربما — في أقصى هذا السيناريو — نظام نقدي عالمي أكثر توحيدًا، وصولًا إلى فكرة العملة العالمية الواحدة.
هل نحن أمام إعادة تشكيل للنظام العالمي؟
من هنا تظهر فرضية أخرى: ربما لا تكون الحرب العالمية الثالثة هي الغاية النهائية، وإنما قد تكون مرحلة ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام العالمي. وربما تكون سلسلة الأزمات التي تسبقها هي التي تهيئ العالم نفسيًا وسياسيًا واقتصاديًا لتقبل تغييرات لم يكن مستعدًا لقبولها في الظروف الطبيعية.
لكن هنا يظهر تناقض لا يمكن تجاهله: إذا كانت هناك جهة قادرة على التخطيط لهذا المسار كله، فهل تستطيع فعلًا التحكم في ملايين البشر والجيوش والدول والاقتصادات، والتحكم كذلك في ردود أفعال الشعوب والنتائج غير المتوقعة؟ أم أن محاولة وضع كل هذه الأحداث داخل خطة واحدة قد تكون في حد ذاتها خطأ في قراءة التاريخ؟
وهنا تكمن المفارقة؛ فكلما بدا المشهد وكأنه يتحرك في اتجاه واحد، ظهر سؤال آخر: هل نحن أمام خطة؟ أم أمام مجموعة من القوى المختلفة، لكل منها مصالحها، دفعتها الأحداث إلى نتائج متشابهة؟
لذلك لا أقدم هذه الفرضية باعتبارها حقيقة نهائية، وإنما أضعها أمام القارئ كسؤال مفتوح: هل نحن أمام سلسلة من الحروب والأزمات التي خرجت عن السيطرة، أم أمام عملية تدريجية لإعادة تشكيل النظام العالمي؟ وربما لا يكون السؤال الأهم: من انتصر في الحرب؟ بل: من استفاد من استمرارها؟ ومن استفاد من نتائجها؟ ومن سيكون قادرًا على الاستفادة من النظام الذي سيولد بعدها؟
هل نحن أمام انتقال مركز القوة؟
من وجهة نظري، عندما أضع الأحداث التي شهدها العالم خلال العقود الماضية في سياق واحد، أجد صعوبة في التعامل معها باعتبارها أحداثًا منفصلة لا رابط بينها. وأطرح احتمال وجود شبكة مصالح عالمية تعمل منذ زمن بعيد، ليس بالضرورة بصورة ظاهرة أو مباشرة، وإنما من خلال صناعة الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تدفع العالم تدريجيًا نحو نتائج محددة.
ومن بين هذه النتائج، في قراءتي، تهيئة الظروف لتوسيع نطاق النفوذ الإسرائيلي الجغرافي والاستراتيجي. فالمسألة بالنسبة لي لا تتعلق فقط بالحدود الحالية، وإنما بمشروع أوسع يقوم على إعادة تشكيل البيئة المحيطة، وإضعاف القوى التي يمكن أن تشكل تهديدًا، وإعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.
وعندما أنظر إلى ما حدث في العراق وليبيا وسوريا، ثم إلى ما يحدث في غزة ولبنان وإيران، أرى مسارًا يستحق التوقف عنده: دول عربية وإقليمية كبيرة تعرضت خلال العقود الماضية للحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية والاستنزاف؛ وفي المقابل، توسعت قدرة إسرائيل على التحرك العسكري في محيطها، وأصبح خصومها الإقليميون أكثر انشغالًا بأزماتهم الداخلية أو أكثر تعرضًا للاستنزاف.
إذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن الحروب لا تكون أهدافًا منفصلة، وإنما أدوات ضمن مسار أطول: حرب تضعف دولة، وأخرى تفكك تحالفًا، وثالثة تستنزف قوة إقليمية، وأزمة اقتصادية تعيد ترتيب الأولويات، وصراع على الطاقة يعيد تشكيل التحالفات؛ ثم تتراكم النتائج حتى يصبح التغيير الجغرافي والسياسي أمرًا ممكنًا كان يبدو قبل سنوات مستحيلًا.
من التوسع الجغرافي إلى التوسع في النفوذ
وهنا أصل إلى فكرة أكثر اتساعًا: ماذا لو لم يكن الأمر متعلقًا فقط بالتوسع الجغرافي، وإنما بإعادة نقل مركز القوة العالمي نفسه؟ فبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت الولايات المتحدة القوة الأبرز في النظام الدولي، وأصبحت واشنطن مركزًا رئيسيًا للقرار السياسي والاقتصادي والعسكري العالمي.
لكن ماذا لو كان هذا النظام نفسه في مرحلة انتقال؟ وماذا لو كانت الولايات المتحدة، من خلال الحروب المتتالية والأزمات الاقتصادية والاستنزاف العسكري، تفقد تدريجيًا جزءًا من قدرتها على قيادة العالم؟ هنا تصبح إسرائيل، في هذه الفرضية، أكثر من مجرد دولة حليفة؛ قد تتحول إلى المركز الإقليمي الذي يعاد من خلاله تشكيل الشرق الأوسط، ثم إلى مركز نفوذ يتجاوز المنطقة.
وكلما أُضعفت القوى الإقليمية المحيطة، اتسع هامش الحركة أمامها. وكلما استُنزفت الولايات المتحدة في حروب متعددة ومكلفة، تزايد السؤال حول قدرتها على الاستمرار باعتبارها القوة الوحيدة المهيمنة.
ماذا لو كان ما نراه ليس مجرد صعود دولة، وإنما انتقالًا تدريجيًا لمركز إدارة النظام العالمي؟
قد يبدو هذا الطرح بعيدًا إذا نظرنا إلى إسرائيل باعتبارها دولة صغيرة مقارنة بالولايات المتحدة. لكنني لا أتحدث عن انتقال جغرافي بسيط لمركز القوة، وإنما عن انتقال في مراكز النفوذ وصناعة القرار وشبكات المال والتكنولوجيا والأمن والتحالفات الدولية. وقد لا يحدث هذا الانتقال دفعة واحدة، بل عبر مراحل: إضعاف الخصوم، وإعادة تشكيل المنطقة، وإعادة ترتيب التحالفات، وإعادة توزيع مصادر الطاقة، وإضعاف بعض القوى الكبرى عبر حروب طويلة، ثم بناء منظومة جديدة يكون فيها الدور أكبر بكثير من الدور الحالي.
حلقات المسار المحتمل
ومن هنا أرى أن الأحداث التي تبدو متفرقة قد تكون، وفق هذه الفرضية، حلقات متتابعة في مسار واحد: العراق، وليبيا، وسوريا، وغزة، ولبنان، وإيران، وأوكرانيا، وأوروبا، والولايات المتحدة، والطاقة، والممرات البحرية، والاقتصاد العالمي. كل ملف منها يبدو منفصلًا عندما ننظر إليه وحده، لكن عندما أضعها في صورة واحدة، أرى منهجية محتملة لإعادة توزيع القوة.
والسؤال عندها لا يعود: هل إسرائيل تستفيد من هذه الحرب أو تلك؟ بل يصبح: هل هناك مسار طويل المدى يجعلها المستفيد النهائي من سلسلة الحروب والأزمات التي تضرب المنطقة والنظام الدولي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن المشروع لا يكون مجرد مشروع حدود، بل جزءًا من مشروع أكبر: إعادة بناء الشرق الأوسط، وإضعاف القوى المنافسة، ثم الانتقال تدريجيًا من موقع الدولة المدعومة من القوة العظمى إلى موقع القوة التي تشارك في صناعة النظام الذي كانت تعتمد عليه سابقًا.
وهنا أصل إلى جوهر فرضيتي: ربما لم تكن الولايات المتحدة هي المحطة الأخيرة في مسار القوة العالمية. ليس بالضرورة أن يحدث الانتقال غدًا، وليس بالضرورة أن يحدث بالطريقة التي أتوقعها؛ لكن إذا كانت الأحداث تتحرك فعلًا في هذا الاتجاه، فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون سوى مرحلة من مراحل انتقال مركز القوة. وهنا يصبح السؤال النهائي: هل نحن أمام إعادة رسم حدود الشرق الأوسط فقط، أم أمام إعادة رسم مركز القوة الذي سيحكم العالم في المرحلة القادمة؟
الخلاصة: من ربح الحرب أم من ربح العالم بعدها؟
في النهاية، أعود إلى الفكرة التي أراها مفتاح هذه القراءة كلها: هل الحروب الحديثة تُقاس بمن ربح المعركة، أم بمن استفاد من العالم الذي أنتجته الحرب؟
الحرب العالمية الأولى: من خرج منها أقوى؟ الحرب العالمية الثانية: من خرج منها أقوى؟ العراق: من استفاد من سقوط الدولة، وماذا حدث بعد سقوط النظام؟ ليبيا: ماذا حدث بعد سقوط القذافي، ومن استفاد من حالة الانقسام التي أعقبت ذلك؟ سوريا: من خرج أقوى من استمرار الصراع؟ أوكرانيا: من يستنزف في هذه الحرب، ومن يعيد ترتيب موقعه نتيجة استمرارها؟ إيران: من يتضرر من إضعافها، ومن تتغير بيئته الاستراتيجية لصالحه؟
وعندما أضع هذه الأسئلة بجانب بعضها، أصل إلى السؤال الذي أراه أكثر أهمية: هل إسرائيل مجرد مستفيد من هذه التحولات، أم أنها جزء من المسار الذي ينتج هذه التحولات؟ فقد لا يكون المهم فقط معرفة من بدأ الحرب، أو من انتصر في المعركة، وإنما معرفة من خرج من الحرب وهو يمتلك أرضًا أكثر، ونفوذًا أكبر، وخصومًا أضعف، وموقعًا أقوى في النظام الذي تشكل بعدها.
وهنا تصبح قراءة الحرب مختلفة؛ فالحرب قد تنتهي على الخريطة، لكن آثارها لا تنتهي معها. قد تسقط دول، وتتغير حدود، وتنهار تحالفات، وتظهر قوى جديدة، وتتغير طرق الطاقة والتجارة، ثم يبدأ العالم في بناء نظام جديد فوق أنقاض النظام القديم.
عندما تنتهي الحرب، من يكون قد خسر المعركة… ومن يكون قد ربح العالم الذي جاء بعدها؟
الفساد الثاني… والعلو الكبير
﴿ وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾
أجد في صياغة الآية دقة تستحق التوقف عندها؛ فالقرآن لم يقل فقط إن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض مرتين، وإنما ربط الإخبار عن الفساد بـ«العلو الكبير». ومن هنا أقرأ المرحلة التي نعيشها اليوم باعتبارها احتمالًا للفساد الثاني الذي أخبر عنه القرآن.
فالفساد الأول يمكن أن يكون قد وقع في مرحلة تاريخية سابقة، بينما الفساد الثاني الذي أراه في عصرنا لا يظهر، وفق هذه القراءة، باعتباره فسادًا مجردًا، وإنما باعتباره فسادًا مقترنًا بعلو كبير. والعلو هنا لا أتعامل معه باعتباره مجرد تفوق مادي أو عسكري، وإنما باعتباره وصولًا إلى مستوى من القوة والنفوذ يسمح بفرض الإرادة على الآخرين، والتوسع في الأرض، وإعادة تشكيل البيئة السياسية من حوله.
وهنا تتقاطع الآية مع السؤال الذي طرحته في هذا المقال: فإذا كانت الحروب والأزمات المتتالية تؤدي إلى إضعاف دول، واستنزاف قوى إقليمية، وإعادة رسم الحدود، وإعادة ترتيب التحالفات، ثم تهيئة بيئة تسمح بتوسع النفوذ، فإن السؤال يصبح: هل يمكن أن يكون ما نشهده اليوم هو المرحلة التي يجتمع فيها الفساد مع العلو الكبير الذي أشارت إليه الآية؟
وعند هذه النقطة لا يصبح الحديث عن التوسع مجرد حديث عن جغرافيا، وإنما عن مشروع يقوم على القوة والنفوذ وإعادة تشكيل المنطقة بما يسمح بفرض واقع جديد. والسؤال الذي أضعه أمام القارئ: إذا كان الفساد مرتين، وكان العلو الكبير مرتبطًا بهذا الإخبار، فهل نحن اليوم أمام المرحلة الثانية التي اجتمع فيها الفساد مع العلو؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل ما نشهده من حروب، واستنزاف للدول، وإعادة تشكيل للشرق الأوسط، وتوسع في النفوذ، ليس أحداثًا منفصلة، وإنما جزء من مرحلة تاريخية أكبر؟
ربما لا يكون السؤال فقط: من ربح الحرب؟ بل: من خرج منها أكثر قدرة على فرض إرادته على العالم الذي جاء بعدها؟
الهوامش
- [1]تُطرح فكرة «شبكة المصالح» هنا كفرضية بحثية لقراءة النتائج، لا كحقيقة مثبتة عن جهة محددة.
- [2]الممرات المذكورة تمثل عُقدًا حرجة في حركة الطاقة والتجارة العالمية؛ واضطراب أي منها ينتقل أثره إلى الاقتصاد العالمي.
- [3]هذا التحفّظ المنهجي مقصود: الإفراط في التفسير التخطيطي للتاريخ خطأ معرفي كالإفراط في تفسيره بالمصادفة.
