العدو الخفي: كيف تُصنع الأزمات وتُدار الحروب
نص حواري في قاعة جامعية: مواجهة بين خطاب التطبيع وقراءة تكشف إدارة الإدراك وصناعة العدو الوظيفي.
المقدمة
في قاعة مليئة بالطلاب والباحثين، كان الجميع يترقب لحظة المواجهة الكبرى. دعاة التطبيع يجلسون بثقة، يتباهون بما يسمونه «خطط السلام والاستقرار»، بينما يقف عبدالله أمامهم هادئًا، وعيناه تتحدّيان الثقة الزائفة.
همس أحد الطلاب: «اليوم سنسمع ما وراء العناوين».
كشف الحقيقة
وقف عبدالله في منتصف القاعة، وصوته يملأ المكان:
«تقولون: التطبيع سبيل للسلام، وخطوة للتقارب، وحوار حضاري… لكن هل سألتم أنفسكم: من الذي يسيطر على المشهد فعلًا؟ إسرائيل ليست مجرد دولة، إنها نقطة ارتكاز لمشروع بدأ قبل قرن، يهدف إلى العلو والطغيان والسيطرة على شعوب الأرض».
ابتسم أحد الدعاة بثقة: «يا عبدالله، نحن نعمل على فتح أبواب التعاون، وضمان مصالح بلادنا واستقرار المنطقة. السلام مشروع، ليس خدعة! »
فابتسم عبدالله ابتسامة حادة:
«السلام؟ أم وهم السيطرة؟ كل اتفاق، وكل مؤتمر، وكل صورة للسلام الإعلامي، وسيلة لترسيخ إدراك القوة المطلقة، تمهيدًا لنظام يستخدم الإعلام والاقتصاد والتعليم الافتراضي لإعادة تشكيل وعي الشعوب».
﴿ وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾
«كل طغيان له نهاية، وكل قوة مطلقة تُختبر».
همس طالب: «هل يعني أن التطبيع جزء من مخطط أوسع؟ » فأجاب: «كل خطوة تُقوّي بها مشروع السيطرة، لا تعيد الحقوق ولا العدل. إنه نسخ حديث لدورة الطغيان والانكسار: القوة ← الفساد ← الانكسار ← الحق».
المراحل في هذه القراءة
رفع عبدالله مخطوطة قديمة، وقال إن المسار يمكن قراءته على أربع مراحل: **الأولى** إنشاء نقطة ارتكاز استراتيجية عبر الحروب العالمية ووعد بلفور؛ **الثانية** خلق خصوم وهميين لإبراز القوة عالميًا؛ **الثالثة** صعود مشروع موحد يستخدم الإعلام والاقتصاد الرقمي والتعليم المبرمج والعالم الافتراضي والجائحات؛ **الرابعة** العلو الكبير قبل الانكسار المحتوم وفق سنن الله.
ثم أشار إلى أحد الدعاة: «هل هذا يذكركم بما تروجون له اليوم؟ كل بروتوكول للتعاون أداة إدراكية لتثبيت القوة، وليس سلامًا».
الرد على دعاة التطبيع
قال أحدهم: «لكن التطبيع يخلق فرصًا اقتصادية، ويخفف التوتر! »
فأجاب عبدالله: «المنفعة الزائفة! حرب منخفضة الشدة تُستخدم لتعطيل شريان النفط ومضيق هرمز والبحر الأحمر. هذا ليس تعاونًا، بل إدارة دقيقة للفوضى لصالح نقطة القوة! »
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
من سؤال التطبيع إلى سؤال الحرب
سأل طالب: «إذا كان تعريف العدو يتغير… فماذا عن الحروب نفسها؟ لماذا لا تُحسم؟ »
فابتسم عبدالله: «ليس فقط كيف يُصنع العدو، بل كيف تُدار الحرب. انظروا إلى نموذج العراق عام ٢٠٠٣: بدأ بالحصول على إذن من الكونغرس، ثم موافقة رمزية دولية، ثم تعبئة إعلامية مكثفة، ثم حشد القوات وتجهيز خطوط الإمداد وتعطيل الرادارات لضمان حسم سريع؛ وخلال أسابيع سقط النظام وأُعيد تشكيل المشهد السياسي وفق نموذج حرب الحسم: عدو معلن + تحالف دولي + نتيجة سريعة».
«أما أمام إيران فالوضع مختلف تمامًا: لا إذن رسمي، ولا تعبئة إعلامية للحسم، ولا ضربات واسعة تعطل خطوط الإمداد، ولا غزو بري، ولا إسقاط نظام، ولا خطة حسم واضحة. وكل هذا يؤكد أن الحرب هنا لا تهدف إلى الحسم، بل تُدار لغايات اقتصادية وإدراكية تتحكم بالطاقة والأسواق».
فرضية «العدو الوظيفي»
سألت طالبة: «هل تقصد أن إيران ليست هدفًا للإسقاط؟ »
فأجاب: «وجود خصم دائم يخدم معادلة توازن: يبرر الوجود العسكري في الخليج، ويعزز صفقات السلاح، ويُبقي أسواق الطاقة تحت توتر محسوب، ويحافظ على الاصطفاف السياسي المستمر. فالتوتر هنا حالة تشغيل، لا مقدمة لنهاية».
سأل آخر: «فما الهدف الحقيقي؟ » قال: «إدارة الإدراك وإدارة الاقتصاد: مضيق هرمز يرفع أسعار النفط، وتوتر البحر الأحمر يضطرب سلاسل الإمداد، واستمرار الأزمة يكيّف الأسواق مع توتر دائم. الحرب القصيرة تربك العالم مؤقتًا، والحرب الطويلة تعيد تشكيله».
سألت طالبة: «وماذا لو استمرت أكثر من سنة؟ » أجاب: «اقتصاديًا: ارتفاع مستمر في الأسعار وتضخم عالمي. وسياسيًا: إعادة تموضع التحالفات وصفقات طويلة الأمد وتثبيت وجود عسكري. وإدراكيًا: يتعوّد الرأي العام على حالة الطوارئ، ويتراجع مطلب الحسم لصالح إدارة الاستقرار. فالاستمرار نفسه جزء من المعادلة».
مقارنة حاسمة
«في العراق كان الهدف إعادة تشكيل الخريطة بسرعة. وفي إيران الهدف إبقاؤها ضمن المعادلة. وإذا استُهلك هذا الدور؟ يُستبدل العدو، كما تبدّلت السردية من محور إلى خطاب آخر. فوظيفة الصراع نفسها يمكن أن تتبدل».
ثم رفع صوته مجددًا
«تخيلوا معي: إذا استمرت الحرب أكثر من سنة، ماذا سيكون وضع الخليج والعالم؟ لا غاز ولا نفط بأسعار مستقرة، وأسواق طاقة تتعطل، وصناعات تتوقف، وتكلفة معيشة ترتفع بشكل جنوني؛ والدول التي تعتمد على استيراد الطاقة والغذاء تصبح رهينة الأسعار والتوتر. في هذه الحالة لن يكون الحل في الانتظار أو الركون إلى من يسيطر على الموارد. المصير لا يُترك لغيرنا».
رفع طالب يده: «ماذا يمكن أن نفعل؟ هل هناك سبيل لتجنب هذا السيناريو؟ »
فأجاب بصوت صارم محفّز: «السبيل يبدأ من الوعي والقدرة على التخطيط الذاتي: تنويع مصادر الطاقة بالاعتماد على الشمس والرياح والمصادر المحلية؛ وتطوير التكنولوجيا المحلية لإدارة الموارد دون تبعية؛ وتأمين الأمن الغذائي ببناء مخازن استراتيجية وتشجيع الإنتاج المحلي؛ ووعي الشعوب فلا تصدقوا وعود سلام إذا كانت على حساب استقلال القرار».
ثم نظر إلى الطلاب واحدًا واحدًا: «تذكروا: الحرب غير المنطقية ليست فوضى، بل أداة لإعادة توزيع القوة. لكن القوة الحقيقية لا تأتي من انتظار الآخرين، بل من امتلاك القدرة على صنع المصير بأيدينا».
أمثلة من الواقع المعاصر
«دعوني أعطيكم أمثلة لنفهم كيف يُدار الانتباه: في **غزة** تركز التغطية على الصراع المباشر والضحايا والمدن المدمرة، لكن ما يُغفل هو التحكم في الموانئ والكهرباء والموارد الأساسية. وفي **العقوبات على إيران** يركز الإعلام على الملف العسكري، بينما تُدار شبكات النفط والغاز والأسواق المالية بطريقة تنعكس مباشرة على الأسعار العالمية. وفي **توتر الخليج** يُسلط الضوء على تهديد المضيق كخطر أمني، بينما الهدف التحكم بالأسواق وخلق اعتماد عالمي على مصادر محددة».
«النمط واضح: دائمًا هناك إشغال للرأي العام بهدف جانبي أو عداء ظاهري، بينما تُدار الحياة اليومية والطاقة والغذاء والاقتصاد لصالح مصالح محددة بعيدًا عن أعين الناس. هذا ليس فوضى، بل إدارة دقيقة لإدراك العالم».
نهاية الدورة
تخفيف تدريجي للتوتر دون إعلان نهاية؛ ونقل مركز الثقل من العسكري إلى الاقتصادي والتقني؛ وإعادة تشكيل النظام بهدوء.
أنهى عبدالله الحوار: «لا تنشغلوا بالصاروخ اليوم… اسألوا: ماذا تغيّر بعد سنة من التوتر؟ من أعاد تموضعه؟ ومن استفاد من الأسعار؟ ومن ثبّت وجوده؟ السؤال لم يعد: هل ستندلع حرب شاملة؟ بل: ما شكل النظام الذي يتكوّن بصمت خلف هذا التوتر المستمر؟ »
القاعة لم تصفق. كانت تفكر.
ثم أضاف: «كما وعد الله بأن كل طغيان له نهاية وأن علو الظالمين مؤقت، نرى اليوم كيف يُستخدم الصراع الظاهر لإلهاء العالم، بينما تُدار الحياة والطاقة والاقتصاد وراء الكواليس. سنن الله لا تتغير، والطغاة مهما بدا لهم العلو سيواجهون الانكسار، والحق سيظهر».
