مجلس البر – أمة النمل
نصّ سردي على نار البر: حوار بين أبي جمعة وأبي حسين يقرأ في أمة صغيرة أسرار بناء الأمم.
كان الليل هادئًا في البر، والنجوم تنتشر في السماء كأنها مصابيح بعيدة. والنار تشتعل في وسط المجلس، وصوت الحطب يتكسر بين الحين والآخر.
جلس أبو حسين يصب الشاي، بينما كان أبو جمعة ينظر إلى الأرض قرب الجمر. ثم أشار بعصاه إلى الرمل وقال:
— تعال يا أبو حسين… انظر هنا.
اقترب أبو حسين قليلًا، ثم قال:
— نمل يمشي في خط طويل.
ابتسم أبو جمعة وقال:
— ليس مجرد نمل… هذه أمة كاملة.
— أمة؟!
— نعم… ألم يقل الله تعالى:
﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ﴾
سكت أبو حسين قليلًا وهو يتأمل النمل ثم قال:
— سبحان الله… مخلوق صغير لكن حياته منظمة.
— بل منظمة أكثر من كثير من المجتمعات البشرية.
— كيف ذلك؟
نظام واضح في المجتمع
ابتسم أبو جمعة وقال:
— أول شيء عندهم نظام واضح. مستعمرتهم مقسمة إلى طبقات: ملكة وظيفتها الإنجاب واستمرار الأمة، وعمال يجمعون الطعام ويربون الصغار ويبنون البيوت، وجنود يحرسون المستعمرة ويدافعون عنها.
— يعني كل واحد يعرف دوره.
— بالضبط… لا ترى فوضى… ولا صراعًا على المناصب.
العمل الجماعي
— أما الصفة الثانية فهي العمل الجماعي. النملة لا تعمل لنفسها، بل تعمل لمصلحة الأمة كلها.
— لذلك تراهم دائمًا في حركة.
— نعم… لا كسل ولا بطالة.
التواصل
ثم أشار إلى مسار النمل وقال:
— والصفة الثالثة… التواصل. النمل يتحدث مع بعضه بمواد كيميائية يسمونها الفيرومونات.
قال أبو حسين متعجبًا:
— يعني يتخاطبون بدون كلام؟
— نعم… فإذا وجدت نملة طعامًا تركت أثرًا كيميائيًا يقود بقية النمل إليه.
— كأنها تضع علامات للطريق.
— وهذا يدل على ذكاء وتنظيم.
التخطيط للمستقبل
— والصفة الرابعة… التخطيط. النمل لا يجمع الطعام ليومه فقط، بل يخزن الغذاء لأيام قادمة.
— يعني يفكر في المستقبل.
— نعم… وهذه صفة تفقدها كثير من المجتمعات البشرية.
مهندسون تحت الرمل
— وهناك شيء أعجب من ذلك: النمل مهندسون. يبنون بيوتًا تحت الأرض فيها أنفاق، وغرف، ومخازن للطعام، وأماكن لتربية الصغار.
قال أبو حسين مبتسمًا:
— مدينة كاملة تحت الرمل.
— بل أكثر تنظيمًا من بعض المدن.
انضباط وقوانين
— وهناك أيضًا انضباط صارم. النمل يواجه الأخطار بذكاء، وينظم الدفاع عن المستعمرة، بل إن بعض الدراسات تقول إن بينهم نظام عقوبات لمن يخالف النظام.
— حتى عندهم قوانين!
— نعم… وبعض أنواع النمل تشن حروبًا منظمة ضد مستعمرات أخرى.
ثم سكت قليلًا وقال:
— يا أبو حسين… إذا تأمل الإنسان حياة النمل سيجد درسًا كبيرًا.
— ما هو؟
— أن قوة الأمة لا تأتي من الحجم… بل من النظام والعمل والتعاون.
لو أخذ البشر من النمل
ثم قال وهو ينظر إلى السماء:
— تخيل يا أبو حسين… لو أن البشر أخذوا من النمل هذه الصفات: كل إنسان يعرف دوره، والعمل بلا كسل، والتعاون بدل الأنانية، والتخطيط للمستقبل، واحترام النظام والقانون، وقيادة تخدم الأمة لا نفسها.
— عندها سيصبح المجتمع قويًا.
ابتسم أبو جمعة وقال:
— بل سيصبح أمة حقيقية كما أراد الله.
ثم قال بهدوء:
أحيانًا يا أبو حسين… الله يضع أعظم الدروس في أصغر المخلوقات.
ما هو أعظم من النظام
قال أبو جمعة وهو يتأمل خطّ النمل يسير فوق الرمل:
— يا أبو حسين… انظر إلى هذه النملات. أمة صغيرة لا تملك عقولًا كبيرة مثل الإنسان، لكنها تسير بدقة عجيبة، كأنها تعرف طريقها بلا تردد؛ لأنها تسير على النظام الذي فطرها الله عليه.
ثم سكت لحظة وقال:
— أما الإنسان يا أبو حسين… فقد أعطاه الله ما هو أعظم من ذلك: أعطاه العقل ليفكر، والفطرة ليدرك الخير، والإيمان ليهتدي إلى الطريق الصحيح.
تنهد أبو جمعة قليلًا ثم قال:
— لكن الإنسان إذا ضيّع هذه النعم عاش في فوضى قد تكون أشد من فوضى الحيوانات. أما إذا جمع بين الفطرة السليمة، والعقل الواعي، والإيمان بالله، فإنه يستطيع أن يبني أعظم أمة على الأرض.
سكت الاثنان قليلًا… والنمل ما زال يسير في طريقه الصغير فوق الرمل. لكن تلك الحركة البسيطة كانت تخفي وراءها سرًا عظيمًا من أسرار بناء الأمم.
عبدالله المضاحكة
