تمرين استراتيجي: ماذا لو كنا أمام أسوأ سيناريو ممكن للشرق الأوسط؟

دراسة تختبر فرضية واحدة: هل أزمات المنطقة أحداث منفصلة، أم حلقات في مسار طويل لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والعالمي؟

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 19 قسماً

المنهجية

تعتمد هذه الدراسة على التمييز بين ثلاثة مستويات: الوقائع التاريخية الموثقة، والاستنتاجات المستخلصة منها، والفرضيات التي تُطرح لاختبار تفسير معين. لذلك لا يُقدَّم أي استنتاج بوصفه حقيقة نهائية، بل يخضع للمراجعة في ضوء الأدلة والوثائق والأحداث الجديدة، بما يحافظ على الطابع البحثي للدراسة ويجعلها تمرينًا في التفكير الإستراتيجي.

تنبيه

إنها تمرين في التخطيط الاستراتيجي يقوم على طرح فرضية، ثم دراسة نتائجها المحتملة إذا كانت صحيحة. ويشبه هذا النوع من التفكير ما تستخدمه المؤسسات العسكرية ومراكز الدراسات عند إعداد سيناريوهات المخاطر، حيث لا يكون السؤال: «هل هذا يحدث؟ » بل: «ماذا لو كان يحدث؟ وكيف ستكون النتيجة؟ »

الفرضية

أن ما يبدو سلسلة أزمات متفرقة في الشرق الأوسط ليس أحداثًا مستقلة، بل حلقات مترابطة ضمن مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل المنطقة سياسيًا واقتصاديًا وجغرافيًا.

وتفترض هذه الدراسة أن هذا المشروع تديره دولة واحدة، من خلال شبكة محدودة من مراكز النفوذ وصناع القرار، قد تضم حكومات، أو جماعات ضغط، أو شبكات نخبوية، أو منظمات ذات نفوذ عابر للحدود. وفي إطار هذا السيناريو التخيلي، يمكن أن يتصور البعض وجود أدوار لكيانات تُثار حولها نقاشات عامة، مثل الماسونية، أو جماعات تُوصف بـ«النخب العالمية» أو «المتنورين»، أو جماعات الضغط السياسية، أو حركات ذات توجهات صهيونية عالمية.

وتفترض الفرضية أن آلية العمل لا تقوم على أن جميع المشاركين يعرفون الخطة الكاملة، وإنما على مبدأ «الحاجة إلى المعرفة»؛ حيث لا يطّلع على الصورة الكاملة إلا عدد محدود جدًا، بينما يعمل كل مستوى وفق المعلومات التي يحتاجها لأداء دوره، معتقدًا أنه يخدم أهدافًا سياسية أو اقتصادية أو أمنية تخص مؤسسته أو دولته.

وبذلك، لا تتطلب الخطة أن يعرف آلاف المسؤولين أو الموظفين الهدف النهائي، بل يكفي أن يمتلك الرؤية الكاملة عدد محدود من صناع القرار، بينما تتحرك بقية المؤسسات بصورة تبدو طبيعية، مدفوعة بمصالحها أو تكليفاتها المباشرة.

ومن هذا المنطلق، لا تنظر الدراسة إلى الحروب والأزمات والتحالفات على أنها أحداث منفصلة، بل تفترض — لأغراض التحليل فقط — أنها قد تكون مراحل متتابعة في عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي وصولًا إلى هدف استراتيجي أكبر.

الهدف النهائي المفترض

وفق هذه الفرضية، لا يكون الهدف النهائي مجرد كسب حرب، أو إسقاط نظام، أو توسيع حدود دولة، بل إعادة تشكيل النظام الجيوسياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط بما يغيّر موازين القوة العالمية لعقود قادمة.

وتفترض الدراسة أن الطريق إلى هذا الهدف يمر عبر السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم: مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس.

فمن يملك القدرة على التأثير في هذه الممرات، يملك قدرة كبيرة على التأثير في حركة النفط والغاز، وسلاسل الإمداد، وأسعار الشحن، والتجارة الدولية، وبالتالي في الاقتصاد العالمي بأكمله.

وتفترض الفرضية أن الأزمات المتكررة، والحروب الإقليمية، والاضطرابات الأمنية، ليست غاية في ذاتها، بل وسائل لإعادة رسم خريطة النفوذ، بحيث يصبح النظام الاقتصادي العالمي أكثر اعتمادًا على مركز قوة جديد.

وفي ذروة هذا السيناريو، تتخيل الدراسة أن إسرائيل تعلن مرحلة جديدة من مشروعها السياسي، تعتبرها تحقيقًا لرؤيتها التاريخية والدينية، وتشمل إعلان مشروع «إسرائيل الكبرى» بالتزامن مع السعي إلى تنفيذ مشروع بناء الهيكل، بعد أن تكون البيئة الإقليمية قد تغيرت بصورة تجعل معارضة هذا التحول أكثر صعوبة.

وتفترض الدراسة كذلك أن هذا التحول لا يقتصر على البعد الديني أو الجغرافي، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي؛ إذ تصبح السيطرة على الممرات البحرية العالمية أداة للتأثير في أسواق الطاقة، وأسعار السلع، وحركة التجارة، ومن ثم في موازين الاقتصاد الدولي.

وفي هذا السيناريو، لا يُنظر إلى الهيمنة العسكرية بوصفها الهدف النهائي، بل باعتبارها وسيلة للوصول إلى نفوذ اقتصادي وسياسي عالمي، يقوم على التحكم في تدفق الطاقة، والتجارة، والتمويل، بما يمنح مركز القوة الجديد قدرة غير مسبوقة على التأثير في قرارات الدول واقتصاداتها.

كيف يبدأ التحول؟

تفترض هذه الدراسة أن التحولات الكبرى في التاريخ لا تبدأ عادةً بإعلان صريح، وإنما تتشكل عبر سلسلة طويلة من الأحداث المتراكمة، بحيث يبدو كل حدث منفصلًا عن الآخر، بينما يكتسب معناه فقط عند النظر إلى الصورة الكاملة.

وفي هذا السيناريو الافتراضي، لا يكون المشروع الإسرائيلي — إذا صح وجوده — قائمًا على الحسم العسكري وحده، بل على إعادة تشكيل البيئة السياسية والاقتصادية والدينية المحيطة به، حتى يصبح ما كان مستحيلًا في الماضي أمرًا واقعًا في المستقبل.

المرحلة الأولى: إنهاك البيئة الإقليمية

تبدأ المنطقة بالدخول في دوامة طويلة من الحروب والصراعات والأزمات الاقتصادية، بحيث تصبح الدول المحيطة منشغلة بالحفاظ على استقرارها الداخلي أكثر من انشغالها بالمشاريع الإقليمية الكبرى.

وتؤدي هذه المرحلة — وفق الفرضية — إلى استنزاف الجيوش والقدرات العسكرية، واستنزاف الاحتياطيات المالية، وارتفاع الديون والاعتماد الاقتصادي على الخارج، وتراجع قدرة الدول على خوض صراعات طويلة، وتحول الأولوية من القضايا الإقليمية إلى الأزمات الداخلية.

المرحلة الثانية: إعادة تشكيل التحالفات

بعد سنوات من الاستنزاف، تبدأ التحالفات القديمة بالتفكك، وتنشأ تحالفات جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية أكثر من الشعارات الأيديولوجية.

وفي هذه المرحلة يصبح التطبيع، والتعاون الأمني، والمشاريع الاقتصادية المشتركة، أمورًا اعتيادية بعد أن كانت مرفوضة شعبيًا.

المرحلة الثالثة: إعادة هندسة الاقتصاد

تفترض الدراسة أن مركز الصراع ينتقل تدريجيًا من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الاقتصاد.

ويصبح الهدف هو التحكم في طرق الطاقة، والموانئ، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وشبكات النقل واللوجستيات، والبيانات والتكنولوجيا.

فمن يملك القدرة على إدارة هذه الشبكات يمتلك تأثيرًا يتجاوز حدود القوة العسكرية التقليدية.

المرحلة الرابعة: إعادة تشكيل الوعي

وترى الفرضية أن أي تحول تاريخي كبير يحتاج أيضًا إلى تحول في وعي المجتمعات.

ولذلك تتصور أن السنوات السابقة للإعلان النهائي تشهد تغيرًا تدريجيًا في الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي، بحيث تصبح أفكار كانت تُعد غير قابلة للنقاش جزءًا من النقاش العام، ثم تتحول تدريجيًا إلى واقع مقبول لدى قطاعات من المجتمع الدولي.

المرحلة الخامسة: لحظة الإعلان

في ذروة هذا السيناريو، تتخيل الدراسة أن القيادة الإسرائيلية تعلن دخول مرحلة تاريخية جديدة، وتصفها بأنها تحقيق لرؤية قومية أو دينية طال انتظارها.

وقد يشمل ذلك — وفق الفرضية — الإعلان عن مشروع سياسي جديد، أو خطوات مرتبطة بالمكانة الدينية للقدس، باعتبارها تتويجًا لمسار طويل من التحولات، وليس بداية له.

وفي هذه القراءة، لا يكون الهدف مجرد توسيع النفوذ الإقليمي، بل السعي إلى ترسيخ موقع اقتصادي وسياسي يجعل إسرائيل لاعبًا محوريًا في التجارة والطاقة والتكنولوجيا، مستفيدة من واقع إقليمي أعيد تشكيله عبر سنوات من الأزمات والتحولات.

افتراض إضافي

ولزيادة اختبار السيناريو إلى أقصى حد، تفترض الدراسة أن القوى الكبرى، رغم تنافسها العلني، لا تعمل في هذه القضية بوصفها أطرافًا متصارعة، بل تتعامل مع المشروع المفترض باعتباره لا يتعارض مع مصالحها الإستراتيجية بعيدة المدى، سواء عبر الدعم المباشر، أو التغاضي، أو إدارة التوازنات بما يسمح باستمرار مراحل المشروع.

وتضيف الفرضية احتمالًا آخر، وهو وجود شبكات نخبوية أو منظمات عابرة للحدود، أو جماعات ضغط ومراكز نفوذ، تسهم في خلق قدر من الانسجام بين مصالح الدول الكبرى، بحيث لا يكون التنسيق قائمًا بالضرورة بين الحكومات كلها بصورة مباشرة، وإنما عبر دوائر مؤثرة في السياسة والاقتصاد والإعلام والمال.

وفي هذا السيناريو، لا يُفترض أن جميع أفراد هذه الشبكات يعملون لهدف واحد أو يعلمون الصورة الكاملة، وإنما تتحرك كل جهة وفق ما تعتقد أنه يخدم مصالحها، بينما تتقاطع هذه المصالح تدريجيًا في اتجاه يخدم المشروع الأكبر.

وترى الفرضية أن هذا النمط من التقاطع ليس جديدًا، بل يمتد إلى محطات تاريخية مفصلية، مثل الدعم الدولي الذي رافق قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ والاعتراف المبكر بها من قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ثم تطور علاقاتها لاحقًا مع دول أخرى، بما فيها الصين. وفي هذا السيناريو التخيلي، يُنظر إلى ذلك بوصفه أحد المؤشرات التي قد يفسرها أنصار الفرضية على أنه بداية توافق دولي طويل المدى، وليس مجرد قرارات سياسية مستقلة.

كما تفترض الدراسة أن بعض الحكومات الإقليمية قد تكون مطلعة على أجزاء من هذا المسار أو تتكيف معه انطلاقًا من مصالحها الخاصة، في حين تبقى الشعوب غير مدركة للصورة الكاملة، لأن كل مرحلة تبدو وكأنها استجابة لظروفها المباشرة، لا جزءًا من مشروع طويل الأمد.

نقطة الذروة

وفق هذا السيناريو الافتراضي، لا يكون المشروع المفترض قد بلغ ذروته عند اندلاع الحروب أو عقد التحالفات أو إعادة رسم خرائط النفوذ، بل عند اللحظة التي يصبح فيها الواقع الجديد راسخًا إلى درجة تجعل الإعلان عن الهدف النهائي أقرب إلى إقرار بما تحقق منه بالفعل.

وتفترض الدراسة أن سنوات طويلة من الاستنزاف العسكري، والتحولات الاقتصادية، وإعادة تشكيل التحالفات، والتغيرات في موازين القوى، تكون قد هيأت البيئة الإقليمية والدولية بحيث تصبح قدرة الدول المحيطة على تغيير المسار محدودة مقارنة بما كانت عليه في السابق.

وفي هذه اللحظة، تتخيل الفرضية أن إسرائيل تعلن انتقالها إلى مرحلة جديدة تعتبرها تتويجًا لرؤيتها القومية والدينية، وقد يشمل ذلك الإعلان عن مشروع سياسي توسعي، أو خطوات مرتبطة بمكانة القدس، أو مشروع بناء الهيكل، باعتبارها — في هذه الرواية الافتراضية — تحقيقًا لما يراه مؤيدو هذا المشروع نبوءات أو وعودًا تاريخية.

وترى الدراسة أن أخطر ما في هذا السيناريو ليس الإعلان نفسه، بل أن يأتي في وقت تكون فيه موازين القوى، والممرات البحرية، وطرق الطاقة، والتحالفات السياسية، والواقع الاقتصادي قد أعيد تشكيلها بالفعل، بحيث يصبح الاعتراض السياسي أو العسكري أقل تأثيرًا في تغيير النتائج.

لا يكون الحدث المفصلي هو إعلان المشروع، بل اكتمال البيئة التي تجعل هذا الإعلان ممكنًا وقابلًا للاستمرار.

ماذا بعد؟

إذا افترضنا — لأغراض هذا التمرين الفكري — أن هذا السيناريو قد تحقق، فإن المنطقة لن تكون أمام نهاية صراع، بل أمام ولادة نظام إقليمي ودولي جديد، يعاد فيه تعريف مفهوم القوة ذاته.

فالتاريخ يعلمنا أن الهيمنة العالمية لم تكن دائمًا مرتبطة بالمساحة الجغرافية أو بعدد السكان.

فبريطانيا العظمى، وهي جزيرة صغيرة مقارنة بالقارات التي حكمتها، لم تستطع أن تبسط نفوذها على أجزاء واسعة من العالم لأنها كانت تمتلك أكبر جيش في كل مكان، بل لأنها أحسنت توظيف عناصر القوة الأخرى: السيطرة على البحار، والتحكم بالموانئ، وطرق التجارة، والتمويل، وشبكات الاستخبارات، والتحالفات، والشركات التجارية، حتى أصبحت قادرة على التأثير في دول تبعد عنها آلاف الكيلومترات.

وفي هذا السيناريو الافتراضي، تفترض الدراسة أن المشروع المفترض يسعى إلى تطبيق منطق مشابه، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.

فبدلًا من احتلال الدول عسكريًا، يصبح الهدف هو السيطرة على العقد الإستراتيجية التي يتوقف عليها الاقتصاد العالمي. وبدلًا من نشر الجيوش في كل مكان، يصبح النفوذ قائمًا على التحكم في الممرات البحرية، وطرق الطاقة، والموانئ العالمية، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا والبيانات، والمنظومة المالية، وشبكات التحالف الأمني والسياسي.

وعندها، تصبح السيطرة على هذه المفاصل أكثر تأثيرًا من السيطرة المباشرة على الأراضي نفسها.

وفي هذه القراءة، تتصور الفرضية أن إسرائيل — بعد أن تكون قد حققت أهدافها السياسية والدينية وفق هذا السيناريو — لا تسعى إلى بناء إمبراطورية بالمعنى التقليدي، بل إلى ترسيخ موقع يجعلها مركزًا رئيسيًا في شبكة الاقتصاد العالمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، ومن نفوذها في محيط أهم طرق التجارة والطاقة.

وعند هذه النقطة، لا تعود القوة تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات فقط، بل بالقدرة على التأثير في أسعار الطاقة، وحركة التجارة، وسلاسل التوريد، والاستثمارات، والقرارات الاقتصادية للدول.

وكما لم يكن سر قوة الإمبراطورية البريطانية في حجم الجزيرة التي انطلقت منها، بل في قدرتها على التحكم بمفاصل التجارة العالمية، تفترض هذه الدراسة أن أي مشروع هيمنة في القرن الحادي والعشرين — إذا وُجد — لن يعتمد على احتلال العالم، بل على التحكم بالمفاتيح التي تجعل العالم يعتمد عليه.

أسئلة الدراسة

لا تهدف هذه الفرضية إلى إقناع القارئ بأنها الحقيقة، وإنما إلى اختبارها من خلال قراءة أحداث القرن الماضي وكأنها أجزاء من لوحة واحدة، ثم التساؤل: هل يمكن أن تكون مترابطة، أم أن هذا الترابط مجرد وهم صنعه العقل بعد وقوع الأحداث؟

فإذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فهل يمكن إعادة قراءة محطات تاريخية كبرى — مثل اتفاقية سايكس بيكو، ووعد بلفور، وسقوط الدولة العثمانية، وقيام إسرائيل عام ١٩٤٨، وحروب ١٩٤٨ و١٩٦٧ و١٩٧٣، واتفاقيات السلام، والحروب في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وصولًا إلى الصراعات الحالية — على أنها مراحل متتابعة في مشروع طويل الأمد، أم أن لكل حدث تفسيره المستقل وظروفه الخاصة؟

وهل كان الانتقال من مرحلة إلى أخرى يحمل اتجاهًا إستراتيجيًا واحدًا، أم أنه مجرد تتابع تاريخي فرضته ظروف كل عصر؟

وإذا كان الهدف المفترض هو إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فما العلامات التي كان ينبغي أن تظهر خلال المئة عام الماضية؟ هل كانت موازين القوى تتجه باستمرار نحو مركز واحد؟ وهل كانت التحولات السياسية والاقتصادية تخدم هدفًا إستراتيجيًا متكررًا؟ وهل تغيرت خرائط النفوذ بصورة تراكمية أم بصورة عشوائية؟ وهل أصبحت السيطرة على الممرات البحرية والطاقة أكثر أهمية من السيطرة المباشرة على الأراضي؟

وفي المقابل، ما الأحداث التي تُضعف هذه الفرضية؟ هل توجد قرارات كبرى تعارض هذا المسار؟ وهل فشلت مشاريع كان يُفترض أن تنجح لو كانت الخطة موجودة؟ وهل تكشف الخلافات بين القوى الكبرى عن غياب أي مشروع موحد؟ وهل يمكن تفسير ما جرى خلال القرن الماضي بمنطق توازن المصالح، والتنافس بين الدول، والأخطاء السياسية، دون الحاجة إلى افتراض وجود خطة شاملة؟

وتقترح الدراسة على القارئ ألا يبحث فقط عن الأدلة التي تؤيد الفرضية، بل أن يبحث أيضًا عن الأدلة التي قد تنقضها؛ لأن الفرضية التي لا يمكن اختبارها أو دحضها ليست فرضية علمية، بل مجرد اعتقاد.

ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة لا تكمن في الوصول إلى إجابة نهائية، بل في تدريب القارئ على إعادة قراءة التاريخ بعين نقدية، وربط الأحداث دون الوقوع في الجزم، وفحص الأنماط دون إهمال الأدلة المخالفة، والتمييز بين ما يمكن إثباته، وما يبقى في دائرة الاحتمال.

هل كان الشرق الأوسط خلال المئة عام الماضية يعيش سلسلة أزمات منفصلة، أم كان — إذا صحت هذه الفرضية — يتحرك تدريجيًا نحو واقع جديد لم تتضح صورته الكاملة بعد؟

الفرضيات المنافسة

تعرض هذه الدراسة فرضية افتراضية واحدة، لكنها لا تستبعد وجود تفسيرات أخرى للأحداث. فقد تكون الحروب والتحولات التي شهدها الشرق الأوسط خلال القرن الماضي ناتجة عن تنافس الدول على المصالح، أو أخطاء سياسية، أو تغيرات اقتصادية، دون وجود مشروع موحد. لذلك يبقى اختبار الفرضية ومقارنتها بالبدائل جزءًا أساسيًا من المنهج.

مؤشرات تؤيد أو تضعف الفرضية

إذا كانت الفرضية صحيحة، فمن المتوقع أن تظهر مؤشرات متكررة، مثل انتقال النفوذ نحو السيطرة على الممرات البحرية والطاقة، واستمرار إضعاف القوى الإقليمية، وتغير التحالفات بما يخدم مركز قوة واحد. أما إذا أظهرت الوقائع اتجاهات معاكسة أو تناقضات جوهرية، فإن ذلك يضعف الفرضية ويستدعي إعادة النظر فيها.

لماذا الشرق الأوسط؟

يفترض هذا السيناريو أن الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة جغرافية، بل يمثل نقطة التقاء بين القارات الثلاث، ويضم أهم احتياطيات الطاقة وأهم الممرات البحرية ذات التأثير في الاقتصاد العالمي، إضافة إلى مكانته الدينية والتاريخية. لذلك، إذا كان هناك مشروع لإعادة تشكيل النظام العالمي، فقد تكون هذه المنطقة هي نقطة الانطلاق أو مركز الثقل فيه.

الخط الزمني للدراسة

تعتمد الدراسة على قراءة متسلسلة لأحداث المئة عام الماضية، بدءًا من نهاية الدولة العثمانية، مرورًا بوعد بلفور، وقيام إسرائيل، والحروب العربية الإسرائيلية، واتفاقيات السلام، والحروب في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وصولًا إلى التطورات الراهنة. ولا تهدف هذه القراءة إلى إثبات وجود ترابط حتمي، بل إلى اختبار ما إذا كانت هذه الأحداث تمثل أزمات منفصلة، أم يمكن تفسيرها — ضمن الفرضية — بوصفها مراحل متراكمة في مسار واحد.

ماذا يمكن للمجتمعات أن تفعل؟

مهما كانت طبيعة التحولات الجارية في الشرق الأوسط، فإن قدرة المجتمعات على التأثير في مستقبلها تبقى قائمة. فبناء الوعي النقدي، وعدم قبول أي رواية دون تمحيص، وتعزيز التعليم والبحث العلمي، وتقوية الاقتصادات المحلية، ودعم مؤسسات الحكم الرشيد، وتعزيز التعاون الإقليمي، كلها عوامل تزيد من قدرة الدول والمجتمعات على مواجهة التحديات والتكيف مع المتغيرات.

ومن المنظور الإيماني، فإن التاريخ لا تحكمه إرادة البشر وحدها، بل تجري أحداثه ضمن سنن إلهية ثابتة، تقوم على أن التغيير يبدأ من داخل المجتمعات نفسها، وأن الظلم والفساد لا يدومان، وأن التداول بين الأمم سنة ماضية في التاريخ.

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ

[آل عمران: ١٤٠]

ولذلك، فإن الوعي، والإصلاح، والعمل الصالح، والعودة إلى قيم العدل والحق، تمثل عناصر أساسية في أي مشروع للنهوض واستعادة القدرة على صناعة المستقبل.

الهوامش

  1. [1]قرار تقسيم فلسطين (الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٨١، ١٩٤٧) والاعترافات الدولية المبكرة بإسرائيل عام ١٩٤٨.
  2. [2]أدبيات التاريخ البحري والاقتصادي حول اعتماد الهيمنة البريطانية على الموانئ وطرق التجارة والتمويل لا على الحجم الجغرافي.

رفيق القراءة