نتنياهو والعدو القادم

حين يتحول الخوف إلى منهج سياسي، ويصبح البحث عن الخطر تهديدًا للسلم العالمي.

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 14 قسماً

من وجهة نظري، لا يمكن النظر إلى بنيامين نتنياهو باعتباره مجرد رئيس وزراء إسرائيلي خاض عددًا من الحروب خلال مسيرته السياسية. فالتاريخ السياسي للرجل يكشف، في تقديري، عن منهج متكامل في قراءة العالم يقوم على البحث المستمر عن الخطر القادم، وتقديمه بوصفه تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، ثم تحويل هذا التهديد إلى مبرر للتحرك العسكري والسياسي قبل أن يصبح أقوى.

وهذه ليست ملاحظة مرتبطة بحرب غزة أو بالحرب مع إيران فقط. إنها مسيرة تمتد لعقود.

عقيدة نتنياهو: «لن ننسى ولن نغفر» وصناعة العدو القادم

«لن ننسى ولن نغفر» ليست مجرد شعار، بل هي في قراءتي جوهر المنهج الذي يجسده نتنياهو: تحويل الذاكرة التاريخية للاضطهاد إلى ذاكرة سياسية دائمة، يبقى فيها العدو حاضرًا حتى بعد تغير اسمه ومكانه وزمنه.

والعبارة نفسها استخدمها نتنياهو في سياق أحداث ٧ أكتوبر وما ارتبط بها من قتل وأسر، بما في ذلك قوله: «לא נשכח ולא נסלח» (لن ننسى ولن نغفر).

روما ← الاضطهاد الأوروبي ← المحرقة ← العراق ← إيران ← غزة ← العدو القادم. أي أن الماضي لا يُغلق، بل يُستدعى باستمرار لتحديد الخطر التالي.

الخطر ليس في تذكّر التاريخ، وإنما في أن يتحول «لن ننسى ولن نغفر» من ذاكرة تمنع تكرار المأساة إلى منهج سياسي يجعل الصراع مفتوحًا بلا نهاية.

من الحرب الباردة إلى الشرق الأوسط الجديد

نشأ نتنياهو سياسيًا في مرحلة الحرب الباردة، في عالم كانت فيه إسرائيل ترى نفسها محاطة بقوى عربية مدعومة بدرجات مختلفة من الاتحاد السوفيتي. ومع انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، لم ينتهِ في خطاب نتنياهو مفهوم الخطر. بل تغير العدو.

انتقل مركز الاهتمام إلى الإرهاب، والعراق، وإيران، وسوريا، وحزب الله، وحماس. وهنا تكمن أهمية النظر إلى المسيرة كاملة، لا إلى حرب واحدة؛ فالعدو يتغير، لكن منطق التهديد يبقى ثابتًا.

العراق

في عام ٢٠٠٢ ظهر نتنياهو أمام الكونغرس الأمريكي في لحظة كانت الولايات المتحدة تستعد لغزو العراق. لم يكن موقفه موقف مراقب بعيد؛ كان من المؤيدين بقوة لإسقاط نظام صدام حسين، وقدم العراق أمام الأمريكيين باعتباره خطرًا ينبغي التعامل معه.

وبعد سنوات، أصبح واضحًا أن الحرب التي قيل إنها ستجعل المنطقة أكثر أمنًا لم تنتج ذلك الاستقرار الذي وُعد به العالم، بل فتحت أبوابًا واسعة للفوضى، والطائفية، وصعود جماعات مسلحة، وإعادة تشكيل التوازن الإقليمي.

وهنا يصبح السؤال: هل كان درس العراق كافيًا للتوقف عن سياسة الحرب الاستباقية؟ التاريخ اللاحق يقول: لا.

إيران

بعد العراق أصبحت إيران في قلب رؤية نتنياهو. لم تكن إيران خطرًا ظهر فجأة في السنوات الأخيرة؛ لقد كان التحذير منها جزءًا من خطابه منذ عقود. ومع مرور الزمن، تحول التحذير من برنامج نووي إلى تصور كامل لإيران باعتبارها العدو الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل.

ثم انتقل الأمر من الضغط السياسي إلى العمل العسكري. وبذلك أصبح ما كان يُطرح لسنوات باعتباره خطرًا مستقبليًا حربًا حقيقية. والأخطر من ذلك أن الحرب لم تعد إسرائيلية فقط؛ لقد أصبحت الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا. وهنا تتحول المسألة من أمن إسرائيل إلى أمن العالم.

غزة

ثم جاءت غزة. لم تعد الحرب فيها مجرد عملية عسكرية محدودة ضد جماعة مسلحة، بل تحولت إلى حرب واسعة ذات آثار إنسانية وسياسية وإقليمية هائلة، وارتبطت بمستقبل القطاع، والسيطرة الأمنية، والتهجير، ومستقبل القضية الفلسطينية.

وفي هذه المرحلة ظهر بوضوح ما يمكن أن أسميه منطق الحرب بلا نهاية سياسية: كلما انتهى عدو ظهر خطر جديد، وكلما ظهرت مشكلة أمنية أصبحت جزءًا من معركة أكبر. وهكذا تتحول المنطقة إلى سلسلة متصلة من الحروب.

التاريخ القديم حاضر في العقل السياسي

لفهم هذه المنهجية، لا يكفي أن ننظر إلى السياسة اليومية؛ يجب أن ننظر إلى الطريقة التي يُستدعى بها التاريخ اليهودي في الخطاب السياسي. فهدم الهيكل الثاني على يد روما، والاضطهاد الأوروبي، والمحرقة، كلها عناصر حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية اليهودية والإسرائيلية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التاريخ من ذاكرة للتحذير من الظلم إلى منظور دائم لقراءة الحاضر. عندها يصبح العالم سلسلة من الإمبراطوريات والأعداء: روما بالأمس، ثم أوروبا والاضطهاد في مراحل لاحقة، ثم الإرهاب، ثم العراق، ثم إيران، ثم حماس، ثم حزب الله، ثم سوريا، ثم إيران مرة أخرى.

إنها ليست بالضرورة قائمة متطابقة من الأعداء، ولكنها في الخطاب السياسي تتحول إلى سلسلة واحدة من التهديدات التي تحيط بإسرائيل.

من الضحية التاريخية إلى القوة التي لا تنتظر

وهنا أرى أخطر تحول. إذا كانت الذاكرة التاريخية تقول: لقد انتظر اليهود الخطر في الماضي، ولم يحْمِهم العالم، وكانت النتيجة الكارثة؛ فإن الاستنتاج السياسي يصبح: لن ننتظر الخطر القادم. ومن هنا تولد عقيدة الضربة الاستباقية.

لكن عندما تتبنى دولة هذا المنطق بصورة دائمة، فإن تعريف «الخطر القادم» يصبح قضية بالغة الخطورة؛ لأن العدو ليس فقط من يهاجمك اليوم، بل يمكن أن يصبح أيضًا: من قد يهاجمك غدًا، ثم من قد يمتلك القدرة على مهاجمتك بعد سنوات، ثم من قد يتحالف مع من يكرهك. وهكذا يتسع مفهوم الخطر بلا حدود.

المشكلة ليست في وجود الأعداء

المشكلة التي أراها ليست أن إسرائيل لديها أعداء؛ فكل دول العالم لديها أعداء ومخاطر. المشكلة هي تحويل وجود الخطر إلى منهج دائم لإدارة السياسة الخارجية. وعندما يصبح الأمن قائمًا على ضرب الخصم قبل أن يصبح قويًا، فإن الخصم نفسه يبدأ بالتفكير بالطريقة ذاتها.

إيران ستقول إنها تدافع عن نفسها. وإسرائيل ستقول إنها تدافع عن نفسها. وأمريكا ستقول إنها تدافع عن حلفائها. وكل طرف سيجد في تاريخ الطرف الآخر سببًا للخوف. وهكذا تصبح الحرب دائرة مغلقة.

نتنياهو والولايات المتحدة

الأخطر في حالة نتنياهو أن إسرائيل ليست دولة منعزلة؛ إنها تمتلك علاقة استراتيجية استثنائية مع الولايات المتحدة. وعندما تنجح إسرائيل في نقل تصورها للتهديد إلى السياسة الأمريكية، فإن تأثير القرار لا يبقى في الشرق الأوسط.

الحرب على العراق مثال تاريخي، والحرب مع إيران مثال أكثر خطورة؛ لأن الولايات المتحدة عندما تدخل حربًا مع إيران، فإن المسألة لا تتعلق بحدود دولتين، بل تتعلق بالخليج، والطاقة، والممرات البحرية، والأسواق، وأوروبا، والاقتصاد العالمي.

هل يحق لأي قائد إقليمي أن يدفع القوة العظمى إلى سلسلة من الحروب التي تتسع آثارها لتشمل العالم؟ من وجهة نظري، هذه هي القضية الأساسية.

الخطر الأكبر: ألا يكون هناك عدو أخير

ما يقلقني في منهج نتنياهو هو غياب النهاية الواضحة. إذا كان العراق خطرًا، ثم إيران، ثم حماس، ثم حزب الله، ثم سوريا، ثم إيران مرة أخرى، فما هو الحد النهائي؟ متى ينتهي الخطر؟ ومتى يصبح السلام أكثر أهمية من البحث عن الخطر القادم؟

لأن أخطر شيء في السياسة الدولية هو أن تصبح الدولة مقتنعة بأن أمنها لا يتحقق إلا عندما يكون جميع من حولها أضعف منها أو خاضعين لها أو تحت سيطرتها العسكرية. هذا ليس سلامًا؛ هذا توازن خوف.

والسلام الحقيقي لا يقوم على أن تنتصر دولة في كل مواجهة، بل على أن تتوقف الدول عن تحويل كل مواجهة إلى مقدمة لمواجهة أكبر.

نتنياهو لا يخوض حروبًا منفصلة

من وجهة نظري، الخطأ هو دراسة نتنياهو من خلال حرب غزة وحدها، أو إيران وحدها، أو العراق وحده. يجب أن نقرأ المسار كاملًا. فالعراق لم يكن حادثة منفصلة، وإيران ليست حادثة منفصلة، وغزة ليست حادثة منفصلة. إنها حلقات في تصور أمني وسياسي واحد.

الخطر يجب أن يُكتشف قبل أن يصبح خطرًا، والخطر يجب أن يُواجه قبل أن يصبح أقوى، ومن لا يتحرك الآن قد يدفع الثمن غدًا.

هذه الفكرة قد تبدو منطقية عندما تطبق مرة واحدة، لكن عندما تصبح قاعدة دائمة، فإنها تنتج عالمًا لا يتوقف فيه أحد عن الحرب.

من الشرق الأوسط إلى العالم

وهنا أرى أن خطر نتنياهو تجاوز إسرائيل والفلسطينيين والشرق الأوسط؛ فالشرق الأوسط ليس منطقة معزولة: فيه الطاقة العالمية، وفيه أهم طرق التجارة والملاحة، وفيه قواعد عسكرية أمريكية، وفيه مصالح روسية وصينية وأوروبية. وأي حرب واسعة مع إيران يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة دولية.

ولهذا فإن السؤال لم يعد: ماذا تريد إسرائيل من إيران؟ بل: إلى أين يمكن أن يقود العالمَ هذا المسار؟

الخلاصة

من وجهة نظري، تاريخ نتنياهو السياسي لا يعطيني صورة رجل يبحث عن السلام ثم اضطر إلى الحرب، بل يعطيني صورة سياسي جعل الخطر والأمن والحرب الاستباقية عناصر أساسية في رؤيته السياسية. وكلما تغير العدو، تغير اسم الخطر، لكن بقي المنطق نفسه.

وهذا هو مصدر قلقي الحقيقي. فالخطر ليس في أن تكون إسرائيل قوية، ولا في أن تدافع عن نفسها؛ الخطر في أن يصبح الخوف من العدو القادم مبررًا دائمًا للحرب الحالية. والأخطر أن تمتلك هذه الرؤية طريقًا مباشرًا إلى واشنطن، بحيث تتحول مخاوف دولة واحدة إلى حروب تخوضها أكبر قوة عسكرية في العالم.

لقد دُمّر الهيكل على يد روما، وعاشت أوروبا قرونًا طويلة من اضطهاد اليهود حتى وصلت المأساة إلى المحرقة. وكان يمكن أن يكون الدرس من كل ذلك: لا تسمحوا للإنسان أن يصنع من الإنسان عدوًا أبديًا. لكن حين تتحول ذاكرة الخوف والاضطهاد إلى عقيدة سياسية، قد ينقلب الدرس إلى نقيضه: لا تثق بأحد، ابحث دائمًا عن العدو القادم، واضربه قبل أن يضربك.

ومن هنا تكمن خطورة العقيدة التي أرى أنها تحرك نتنياهو؛ فهي لا تتعامل مع الخطر باعتباره حدثًا عابرًا، بل تنظر إلى العالم من خلال سلسلة متواصلة من الأعداء والتهديدات الوجودية. يتغير اسم العدو، وتتغير جغرافيته، لكن تبقى المعادلة واحدة: الخطر يجب أن يُواجه قبل أن يكبر، والحرب تصبح وسيلة دائمة لمنع الخطر القادم.

وهذه العقيدة، في نظري، لا تشكل خطرًا على الفلسطينيين وحدهم، ولا على إيران أو دول المنطقة فقط، بل تحمل خطرًا يتجاوز الشرق الأوسط إلى السلم الدولي والأمن العالمي والإنسانية نفسها؛ لأن الدولة التي تجعل من الخوف التاريخي أساسًا دائمًا لسياستها الأمنية يمكن أن تجر معها حلفاءها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، إلى صراعات متتالية تتسع دائرتها في كل مرة.

وحين تصبح لكل حرب ذريعة، ولكل خصم وصف «التهديد الوجودي»، ولكل تهديد ضرورة للضربة الاستباقية، فإن السؤال الأخطر لم يعد: من هو العدو؟ بل: من سيكون العدو التالي؟ وهنا تكمن المأساة الكبرى؛ لأن العالم لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد تحت عقيدة تجعل الحرب وقاية، والخوف أمنًا، والعدو مشروعًا دائمًا.

إن الخطر الحقيقي ليس أن يملك نتنياهو أعداء، وإنما أن تتحول رؤيته للأمن إلى عقيدة سياسية تُبقي العالم في حالة بحث دائم عن عدو جديد.

ومن وجهة نظري، فإن هذه العقيدة هي التي تجعل نتنياهو خطرًا يتجاوز حدود إسرائيل والمنطقة؛ لأنها تهدد بتحويل الذاكرة التاريخية من درسٍ للإنسانية إلى وقودٍ لصراعات جديدة، وتحوّل أمن دولة واحدة إلى قضية تُدفع ثمنها شعوب بأكملها.

فإذا لم نتعلم من التاريخ أن نكسر دائرة العداء، فسنظل نعيد إنتاجها: ضحية، ثم خوف، ثم عدو، ثم حرب، ثم ضحية جديدة. وهنا يجب أن يقلق العالم كله.

الهوامش

  1. [1]العبارة العبرية «לא נשכח ולא נסלח» تكرّرت في الخطاب السياسي الإسرائيلي بعد ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، وتُقرأ هنا بوصفها مفتاحًا لمنهج سياسي لا مجرّد تعبير عاطفي.
  2. [2]شهادة نتنياهو أمام لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في الكونغرس الأمريكي، سبتمبر ٢٠٠٢، قبيل غزو العراق.
  3. [3]المقصود قراءة المسار لا تبرئة طرف أو تجريمه؛ فالتحليل هنا في منطق القرار السياسي وآثاره على السلم الدولي.

رفيق القراءة