حين يتحول القرآن إلى مرآة

غزة واختبار القلوب التي وصفها القرآن قبل أربعة عشر قرنًا: النص أمام الواقع.

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 18 قسماً

هناك لحظات في التاريخ لا يعود فيها السؤال: ماذا قال النص؟ بل يصبح السؤال الأكثر قسوة: هل يستطيع الإنسان أن ينظر إلى ما يحدث أمام عينيه ثم يظل قادرًا على إنكار ما وصفه القرآن قبل قرون؟

غزة: حين تصبح المأساة واقعًا مرئيًا

غزة اليوم ليست مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، وليست رقمًا جديدًا يضاف إلى سجل طويل من أرقام الحروب. غزة أصبحت صورة مكثفة لمأساة إنسانية امتدت منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، وأصبح السؤال الذي تفرضه على العالم أكثر قسوة: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح قتل الإنسان الآخر أمرًا يمكن تبريره، ومتى تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى تدمير لمقومات الحياة نفسها؟

خلال هذه الحرب، لم يكن المشهد مجرد اشتباكات بين مقاتلين. فقد شهد القطاع قتل أعداد هائلة من الفلسطينيين، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال، وإصابة عشرات الآلاف، بينما دُمرت أو تضررت أحياء كاملة ومنازل ومدارس ومستشفيات وشبكات مياه وصرف صحي ومنشآت حيوية.

لكن الأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع وحدها أن تنقل حجم المأساة. وراء كل رقم إنسان. وراء كل قتيل أم أو أب أو طفل أو أخ أو أخت. وراء كل منزل مدمر عائلة فقدت المكان الذي كان يسمى بيتًا. وراء كل طفل مصاب مستقبلٌ كان يفترض أن يبدأ، فإذا به يبدأ من سرير مستشفى أو بين أنقاض منزل.

أطفال تحت القصف

من أكثر الصور إيلامًا في هذه الحرب أن الأطفال لم يكونوا بعيدين عن آثارها. في ٦ سبتمبر ٢٠٢٦، قُتل يوسف عقيلة وابنته وفاء، البالغة من العمر ثمانية أعوام، في غارة إسرائيلية على مدينة غزة، وفق مسؤولين صحيين نقلت عنهم رويترز. وأصيب ستة آخرون. وقال الجيش الإسرائيلي إن الضربة استهدفت مسلحًا من حماس وإنه يقيّم نتائج الضربة. وفي اليوم نفسه قُتل أشخاص آخرون، بينهم طفلة تبلغ سبع سنوات.

وقبل ذلك، في يوليو ٢٠٢٦، قُتلت أسرة فلسطينية كاملة في غارة جوية على مدينة غزة: أب وأم وأطفالهم الأربعة، وفق ما نقلته رويترز عن المسعفين.

وهنا لا يعود السؤال مجرد سؤال عسكري: ماذا يعني أن يصبح الطفل جزءًا من مشهد الحرب؟ طفل لم يختر الحرب. لم يختر السياسة. لم يختر حماس. لم يختر إسرائيل. ولم يختر أن يولد في غزة. ومع ذلك قد يجد نفسه تحت الأنقاض.

من بيت إلى خيمة

ولم تقتصر المأساة على القتل. هناك مأساة أخرى: اقتلاع الإنسان من بيته. عائلات تُجبر على الرحيل من منطقة إلى أخرى، ثم تجد نفسها مضطرة إلى الرحيل مرة أخرى. بيت يهدم. ثم حي. ثم مدينة تتغير ملامحها. ويتحول المكان الذي كان يحمل ذكريات الأسرة إلى ركام.

وتقول تقارير الأمم المتحدة إن معظم سكان غزة ما زالوا نازحين ويعيشون في ظروف قاسية، مع استمرار العمليات العسكرية وتدهور الخدمات الأساسية.

حين يفقد الإنسان بيته، لا يفقد الجدران فقط؛ يفقد المكان الذي وُلد فيه أبناؤه، والشارع الذي لعبوا فيه، والمدرسة التي ذهبوا إليها، والمكان الذي كان يقول عنه: هذا بيتي.

تدمير مقومات الحياة

الأشد خطورة أن الدمار لم يقتصر على المساكن. لقد أصاب قطاعات الحياة الأساسية. المستشفيات تضررت. المراكز الصحية تعرضت للهجمات. شبكات المياه والصرف الصحي دُمرت أو تضررت. والبنية الطبية التي يحتاج إليها الجريح والمرأة والطفل والمريض أصبحت عاجزة عن تلبية الاحتياجات الهائلة.

وبحسب بيانات نقلتها وكالة الأنباء القطرية عن منظمة أطباء بلا حدود في مايو ٢٠٢٦، فإن نحو ٩٠٪ من البنية التحتية الصحية في غزة دُمرت أو تضررت، وأصبحت غالبية المستشفيات خارج الخدمة أو تعمل بقدرات محدودة للغاية.

وهذا الرقم وحده يكشف شيئًا بالغ الخطورة: عندما تُدمّر المستشفى، لا يُدمّر مبنى فقط؛ تُدمّر القدرة على إنقاذ الإنسان. وعندما تُدمّر شبكة المياه، لا تُدمّر أنابيب فقط؛ يُهدد الإنسان بالعطش والمرض. وعندما تُدمّر المدارس، لا تُدمّر جدران فقط؛ يُدمّر جزء من مستقبل جيل كامل. وعندما تُدمّر المنازل، لا تُدمّر حجارة فقط؛ تُقتلع عائلات من حياتها.

غزة التي لم تعد تشبه نفسها

تشير تقديرات منشورة في ٢٠٢٦ إلى أن نحو ٨١٪ من مباني غزة تعرضت للدمار أو الضرر، وهي نسبة تشمل مساكن ومنشآت مختلفة. وهكذا أصبحت الحرب أكبر من سؤال: كم شخصًا قُتل؟ السؤال أصبح: كم من مقومات الحياة بقيت؟

فالإنسان يستطيع أن ينجو من القصف، لكنه يحتاج إلى بيت، ومستشفى، وماء، ومدرسة، وطعام، وطريق، ومكان يشعر فيه أنه آمن. وحين تتعرض هذه الأشياء كلها للدمار، فإن الحرب لا تستهدف حياة الإنسان في لحظة واحدة فقط؛ بل تضرب الشروط التي تجعل الحياة ممكنة أصلًا.

وحتى بعد وقف إطلاق النار لم تنتهِ المأساة

الأشد إيلامًا أن وقف إطلاق النار لم يعنِ نهاية الموت. ففي ٦ سبتمبر ٢٠٢٦، وبعد أشهر من وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر ٢٠٢٥، استمرت الضربات الإسرائيلية في غزة وسقط مدنيون، بينهم أطفال. ووفق رويترز، قُتل أكثر من ١٣٠٠ فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار، معظمهم من المدنيين، بحسب مسؤولين صحيين فلسطينيين.

أي أن الإنسان الذي ظن أنه نجا من الحرب وجد نفسه لا يزال يعيش تحت خطرها. حتى الهدوء لم يعد يعني الأمان.

غزة ليست مجرد مدينة مدمرة. غزة عائلات فقدت أبناءها. غزة أطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم. غزة آباء دفنوا أبناءهم. غزة أم تبحث عن طفلها بين الركام. غزة طفل نجا بجسده لكنه سيحمل آثار الحرب في ذاكرته طوال حياته. غزة مستشفى يحاول العمل وسط نقص هائل في الإمكانات. غزة بيت لم يبق منه إلا جزء من جدار. غزة إنسان يحمل ما استطاع حمله من منزله، ثم يمشي بحثًا عن مكان آخر يستطيع أن يعيش فيه.

هذه هي الصورة التي يجب أن نضعها أمام العالم قبل أن نتحدث عن السياسة؛ لأن السياسة يمكن أن تُجادل فيها، أما موت طفل فلا يحتاج إلى جدال.

حين يصبح القرآن مرآة للحاضر

في الجزء الأول، لم نكن أمام رواية تاريخية ولا أمام جدل ديني. كنا أمام وقائع: أطفال قُتلوا. عائلات شُرّدت. بيوت سُوّيت بالأرض. مستشفيات أُخرجت من الخدمة أو أصبحت تعمل بقدرات محدودة. بنية تحتية دُمّرت. ومجتمع كامل يبحث عن أبسط شروط الحياة: الماء، والغذاء، والدواء، والمأوى، والأمان.

لكن السؤال الآن ينتقل إلى مستوى آخر: ماذا قال القرآن قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا؟ وهل ما نشاهده اليوم في غزة مجرد أحداث سياسية وعسكرية منفصلة، أم أننا نستطيع أن نرى فيها أنماطًا من السلوك الإنساني وصفها القرآن بدقة مذهلة؟

لن نفترض النتيجة مسبقًا. ولن نبحث عن آية نضعها قسرًا فوق حدث معاصر. بل سنأخذ النص القرآني كما هو، ثم نضع أمامه الواقع كما هو، ونترك المقارنة تتحدث عن نفسها.

أولًا: قسوة القلب

﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً

[البقرة: ٧٤]

القسوة هنا ليست مجرد استعمال القوة. إنها حالة يصبح فيها القلب أقل استجابة للحقيقة والألم والرحمة. والسؤال الذي تضعه غزة أمامنا هو: ماذا يحدث للإنسان عندما يرى طفلًا تحت الركام، ثم يستطيع أن يواصل القتل وكأن شيئًا لم يحدث؟

كيف يستطيع الإنسان أن يرى المستشفى المدمّر، والجريح الذي لا يجد مكانًا للعلاج، والأسرة التي فقدت منزلها، ثم يتحول كل ذلك إلى مجرد أرقام في خطاب سياسي؟ نحن لا ندّعي معرفة ما في القلوب؛ الله وحده يعلم القلوب. لكننا نستطيع أن ننظر إلى الأفعال.

وهنا يصبح وصف القرآن للقسوة سؤالًا أخلاقيًا حاضرًا أمامنا: هل يمكن أن تصبح القسوة نظامًا حين يتكرر الألم إلى درجة يفقد معها الإنسان قدرته على التأثر به؟

ثانيًا: تحريف الكلام عن مواضعه

﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ

[المائدة: ١٣]

الكلمة يمكن أن تكون أداة لكشف الحقيقة، ويمكن أن تتحول إلى أداة لإخفائها. وهنا نجد واحدة من أخطر معارك غزة: معركة تسمية الأشياء. ماذا نسمي قتل المدنيين؟ ماذا نسمي تدمير منزل؟ ماذا نسمي تهجير أسرة؟ ماذا نسمي إجبار الناس على الانتقال من منطقة إلى أخرى؟ وماذا نسمي تحويل الأرض المدمرة إلى مكان لا يستطيع الإنسان أن يعيش فيه؟

هل يكفي أن نغير الاسم حتى تتغير الحقيقة؟ إذا سُمّي التهجير «إخلاءً»، وإذا سُمّي التدمير «ضررًا جانبيًا»، وإذا أصبح موت الأطفال نتيجةً مقبولة لتحقيق هدف عسكري، فهل تغيرت الحقيقة لأن الكلمات تغيرت؟

هنا تصبح الآية أكثر من نص تاريخي: إنها تحذير من قدرة الإنسان على تغيير علاقة اللغة بالحقيقة.

ثالثًا: نقض الميثاق

القرآن لا ينظر إلى العهد باعتباره مجرد ورقة سياسية. العهد مسؤولية، والوفاء به اختبار أخلاقي. ولهذا فإن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يضع سؤالًا بسيطًا أمام الأطراف: هل الاتفاق التزام حقيقي، أم مجرد فترة مؤقتة يعاد بعدها إنتاج القتل؟

إذا كان وقف إطلاق النار يعني وقف القتل، فاستمرار قتل المدنيين بعده ليس مجرد حادث منفصل؛ بل يصبح سؤالًا عن معنى الالتزام نفسه.

رابعًا: الإفساد في الأرض

﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ

[البقرة: ٢٠٥]

هذه الآية تفتح سؤالًا بالغ الخطورة: ماذا يحدث عندما لا يعود الدمار مقتصرًا على هدف عسكري، وإنما يمتد إلى مقومات الحياة نفسها؟ الحرث. النسل. الماء. الغذاء. المستشفى. المدرسة. البيت. الطريق. البنية التي تجعل المجتمع قادرًا على الاستمرار.

عندما تتعرض هذه العناصر مجتمعة للدمار، فإننا لا نتحدث فقط عن خسارة معركة. نحن نتحدث عن تدمير شروط الحياة. وهنا تصبح المقارنة مع الآية جديرة بالدراسة.

لكن هناك سؤالًا أشد خطورة

هل كان القرآن يتحدث عن أحداث ستقع بعد أربعة عشر قرنًا؟ ما نبحث عنه ليس نبوءة سياسية مصطنعة، بل شيء أعمق: هل وصف القرآن طبيعة بشرية وأنماطًا أخلاقية يمكن أن تتكرر عبر التاريخ؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن قيمة النص لا تتوقف عند زمن نزوله؛ لأن الإنسان يستطيع أن يغير أدواته: السيف يصبح طائرة، والمنجنيق يصبح صاروخًا، والحصار القديم يصبح منظومة حديثة، والخطاب الشفهي يصبح إعلامًا عالميًا. لكن السؤال يبقى نفسه: هل تغير قلب الإنسان؟

غزة أمام القرآن

وهنا نصل إلى جوهر المقال. نحن ندرس أفعالًا محددة ارتكبتها سلطات وقوات وأفراد، ثم نسأل: هل تتطابق هذه الأفعال مع الأنماط الأخلاقية التي وصفها القرآن؟ وهذا فرق جوهري.

فالقرآن لا يحتاج إلى أن نزوّر الواقع من أجله. ولا يحتاج إلى أن نكره أحدًا حتى نؤمن به. ولا يحتاج إلى أن نضيف إليه ما لم يقله. يكفي أن نضع النص والواقع جنبًا إلى جنب، ثم نسأل: عندما يصف القرآن قسوة القلب، وتحريف الكلام عن مواضعه، ونقض العهد، والإفساد في الأرض، ثم نرى أمام أعيننا قتلًا وتشريدًا وتدميرًا واسعًا لمقومات الحياة، فهل نحن أمام تكرار لنمط إنساني حذّر منه القرآن؟

هذا هو السؤال. وليس من حقنا أن نهرب منه. وليس من حقنا أيضًا أن نعطيه جوابًا قبل أن نفحص الأدلة. فالقرآن لا يخاف من المقارنة، والحقيقة لا تحتاج إلى حماية بالكلمات؛ بل تحتاج إلى أن نضع النص والواقع أمام بعضهما، ثم نترك الإنسان يحكم بما يرى.

الخاتمة: غزة أمام القرآن وأمام ضمير العالم

هنا نعود إلى القرآن. لا لنحوّله إلى سلاح ضد شعب، ولا لنحكم على ما في قلوب البشر؛ فالله وحده يعلم القلوب وما تخفي الصدور. نعود إليه لأن القرآن يصف أفعالًا وحالات إنسانية، ويضع لها ميزانًا أخلاقيًا لا يتغير بتغير الزمان.

فالقلب القاسي، في الصورة القرآنية، ليس قلبًا لا يعرف الحقيقة؛ بل قلبًا يرى ولا يتغير. يسمع ولا يستجيب. ويشهد الألم ثم يستطيع الاستمرار.

وهنا تظهر معركة أخرى: معركة الكلمات. ماذا نسمي تهجير الإنسان من بيته؟ ماذا نسمي تدمير المكان الذي يعيش فيه؟ وماذا نسمي قتل المدنيين إذا أصبح قتلهم يُقدَّم دائمًا باعتباره مجرد نتيجة جانبية؟ هل يصبح التهجير «إخلاءً» لمجرد أن الكلمة تبدلت؟ وهل يصبح الدمار «دفاعًا» لمجرد أن الخطاب السياسي وصفه كذلك؟ إن الكلمة عندما تنفصل عن الحقيقة يمكن أن تتحول من وسيلة لكشف الواقع إلى وسيلة لإخفائه.

ثم يأتي السؤال الثالث: ماذا يعني العهد عندما يصبح وقف إطلاق النار نفسه غير قادر على حماية المدنيين؟ إذا قيل للناس إن الحرب توقفت، ثم استمر الموت، فما الذي بقي من معنى التوقف؟ وإذا قيل إن هناك سلامًا، بينما يعيش الإنسان تحت الخوف من أن يفقد بيته أو حياته في اللحظة التالية، فأي سلام هذا؟

﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ

[البقرة: ٢٠٥]

فالإفساد ليس مجرد خراب حجارة. عندما تُدمّر المنازل، والمستشفيات، والمدارس، وشبكات المياه، والبنية التي تقوم عليها حياة المجتمع، فإن السؤال يتجاوز حجم الدمار إلى سؤال آخر: ماذا يحدث عندما تصبح الحياة نفسها هي الشيء الذي يتعرض للتدمير؟

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا

[المائدة: ٦٤]

القرآن ينسب قولًا محددًا، ثم يذكر الحكم الإلهي على ذلك القول. نترك القرآن يفعل ما يفعله دائمًا: يصف القول والفعل، ثم يحكم عليه. وهذا هو الفارق بين القراءة القرآنية وبين التعصب: لسنا بحاجة إلى أن نعرف ما في قلب إنسان، نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى ما فعله.

والسؤال إلى أصحاب القوة

وهنا لا يمكن أن ينتهي المقال من دون سؤال مباشر إلى من يملكون القدرة على التأثير: إلى الإدارة الأمريكية، وإلى الحكومات التي تستطيع الضغط، وإلى الدول التي تستطيع إيقاف السلاح أو تقييده، وإلى كل من يملك نفوذًا يستطيع أن يغيّر شيئًا ثم يختار الصمت أو الاكتفاء بالتصريحات.

إذا كنتم تستطيعون التدخل، فلماذا لا تفعلون؟ إذا كنتم تستطيعون الضغط لوقف قتل المدنيين، فلماذا لا تستخدمون قوتكم؟ إذا كنتم ترفضون التهجير القسري، فهل يكفي أن تقولوا ذلك؟ أم أن رفض التهجير يحتاج إلى موقف سياسي يمنع حدوثه؟ وإذا كنتم تتحدثون عن السلام، فهل السلام يعني أن يبقى الفلسطيني في أرضه وبيته؟

القوة الحقيقية هي أن تستطيع أن تقول لحليفك: كفى. أن تستطيع أن توقف الظلم عندما تملك القدرة على إيقافه. أن تجعل حماية المدنيين مبدأ لا يتغير بحسب هوية الضحية.

القرآن لا يحتاج إلى غزة كي يثبت نفسه

القرآن لا يحتاج إلى غزة حتى يكون صحيحًا. ولا ينبغي لنا أن ننظر إلى موت الأطفال بوصفه «دليلًا» نفرح بوجوده. إنما غزة هي التي جعلت كثيرًا من الناس ينظرون إلى بعض آيات القرآن بعين جديدة.

حين نقرأ ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ ثم نرى إنسانًا يستطيع أن يشاهد المأساة المتكررة دون أن يتغير موقفه، نفهم معنى القسوة بطريقة أكثر حضورًا. وحين نقرأ ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ ثم نشاهد كيف يمكن للكلمات أن تُستخدم لإعادة تعريف القتل والتهجير والدمار، ندرك أن معركة الحقيقة ليست أقل أهمية من معركة الأرض.

لسنا نحن من سيحكم على القلوب؛ الله هو العالم بها. لكن الأفعال أمام أعيننا. والتاريخ يسجلها. والضحايا يعرفونها. والصور تحفظها. والكلمات التي قيلت لتبريرها محفوظة.

وغزة ليست امتحانًا للفلسطينيين وحدهم

إنها امتحان لإسرائيل، وامتحان للولايات المتحدة، وامتحان لأوروبا، وامتحان للعالم العربي، وامتحان لكل حكومة ترفع شعار حقوق الإنسان، وامتحان لكل إعلامي يملك منبرًا، وامتحان لكل إنسان يستطيع أن يتحدث ثم يختار الصمت. لكنها، قبل كل ذلك، امتحان للضمير الإنساني.

فالسؤال لم يعد: هل أنت مع إسرائيل أم مع فلسطين؟ السؤال أبسط وأعمق: ماذا تفعل عندما ترى إنسانًا يُقتل لأنه وُلد في الجهة الأخرى من الصراع؟ هل تبحث عن مبرر؟ أم تبحث عن طريقة لإنقاذه؟ هل تسأل أولًا عن هويته؟ أم ترى أولًا أنه إنسان؟

غزة لا تطلب من العالم أن يحب الفلسطينيين. إنها تطلب شيئًا أكثر بداهة: أن يعترف العالم بأن الفلسطيني إنسان. أن الطفل الفلسطيني طفل. أن الأم الفلسطينية أم. أن الأب الفلسطيني أب. أن البيت الفلسطيني بيت. وأن الحياة الفلسطينية لها قيمة. وأن التهجير ليس سلامًا. وأن قتل المدنيين ليس مجرد رقم. وأن تدمير مقومات الحياة ليس تفصيلًا عسكريًا يمكن أن يُمحى من الذاكرة بتغيير المصطلحات.

وأن القوة التي تستطيع أن تمنع الظلم ثم تختار ألا تفعل، لا تستطيع أن تتوقع أن ينسى التاريخ موقفها. فالتاريخ لا يسأل فقط: من قتل؟ بل يسأل أيضًا: من كان يستطيع أن يمنع القتل ولم يفعل؟

لقد كنتم قادرين على التدخل… فلماذا لم تفعلوا؟ وقد يكون السؤال الأشد قسوة: حين رأيتم الطفل تحت الركام، أي قلب اخترتم أن تكونوا؟

الهوامش

  1. [1]الأرقام والتوصيفات الواردة هنا تستند إلى تقارير إعلامية وأممية منشورة، وتُقدَّم بوصفها مؤشرات على حجم الدمار لا إحصاءً نهائيًا.
  2. [2]وكالة رويترز، تقارير ميدانية عن غزة، سبتمبر ٢٠٢٦، نقلًا عن مسؤولين صحيين فلسطينيين ومع ذكر رد الجيش الإسرائيلي.
  3. [3]بيانات منظمة أطباء بلا حدود كما نقلتها وكالة الأنباء القطرية، مايو ٢٠٢٦، عن نسبة تضرر البنية التحتية الصحية في غزة.

رفيق القراءة