توقفوا عن تسميتها حربًا…

فلسطين ومحاكمة الشهادة: أين الأمة التي جعلها القرآن شاهدة على الناس؟

توقفوا عن تسميتها حربًا…
عبدالله جمعة المضاحكة
الاستماع

المقال كاملاً · 10 قسماً

لا يوجد جيش فلسطيني، ولا بحرية، ولا قوة جوية.

هناك مدنيون يُقتلون، وأرض تُنتزع، وشعب يُهجَّر.

ويقول المفكر وأستاذ العلوم السياسية الأمريكي البارز جون ميرشايمر:

«توقفوا عن تسميتها حربًا… إسرائيل تمحو شعبًا وتسرق أرضه… هذا تطهير عرقي، لا شيء أقل من ذلك. »

لكن بعد كل ما كشفته المحاكمة الأخيرة، لم يعد السؤال مجرد: ماذا يحدث في فلسطين؟

بل أصبح السؤال الأخطر: أين الأمة التي جعلها القرآن شاهدة على الناس؟

قال الله:

﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾

[البقرة: 143]

هذه الآية ليست لقبًا تتزين به الأمة، وليست شهادةً رمزيةً تُستدعى في المناسبات. إنها وظيفة.

والوظيفة لا معنى لها إلا إذا كان هناك شيء يُشهد عليه. فإذا كانت الأمة شاهدة على الناس، فلابد أن تعرف:

ما الذي تشهد عليه؟ وبماذا تشهد؟ وكيف تؤدي شهادتها؟

وهنا تعود بنا الآية إلى أصل القضية.

الرسول بلّغ… فماذا شهدت الأمة؟

قال الله:

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾

[المائدة: 67]

الرسول مأمور بالبلاغ، والأمة مأمورة بالشهادة. إذن هناك تسلسل واضح:

الإنزال ← البلاغ ← العلم ← الشهادة

فالرسول لا يبلّغ الأمة لكي تحفظ النص فقط، بل لكي تصبح قادرة على أداء الوظيفة التي جعلها الله لها: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.

ومن هنا تبدأ مسؤولية الأمة.

ماذا كشفت المحاكمة؟

في قضية النصيب المفروض لم تكن الآيات غائبة. القرآن نفسه كشف المسار:

﴿ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴾

[النساء: 118]

ثم كشف ما يفعله هذا النصيب:

﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ… ﴾

[النساء: 119]

ثم كشف النهاية:

﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ… وَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾

[النساء: 119]

إذن القضية ليست كلمة منفصلة. إنها مسار كامل:

النصيب المفروض ← الإضلال ← التمنية ← الأمر ← الفعل ← الإفساد ← العلو ← تغيير خلق الله

ثم نجد في القرآن بني إسرائيل أمام مسار آخر يكشف الفساد والعلو:

﴿ وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾

[الإسراء: 4]

النصيب المفروض والشهادة التي لا يجوز أن تغيب

القضية إذن ليست بحثًا عن اسم مجهول. لقد كشف القرآن المسار:

بنو إسرائيل ← النصيب ← الإضلال ← التمنية ← الذين هادوا ← اليهود ← الأمر ← الفعل ← الإفساد والعلو ← تغيير خلق الله

والنصيب المفروض هو ذلك الجزء من عباد الله الذي أخذه الشيطان لنفسه، وأخضعه لهذا المسار حتى أصبح حاملًا لمشروعه ومنفذًا له.

وفي هذه المحاكمة، يظهر هذا النصيب من داخل بني إسرائيل إلى الذين هادوا، ويتشكل عبر الإضلال والتمنية، ويظهر في مرحلة تنتهي باليهود.

وهنا وصلت المحاكمة إلى نقطة لم يعد من الممكن تجاوزها: إذا كشف القرآن المسار، فمن وظيفته أن يشهد عليه؟

الأمة.

من هو الشاهد؟

الشاهد ليس من يرى ثم يصمت، ولا من يرى ثم ينتظر أن يسمي الآخرون الأشياء له، ولا من يستبدل شهادة القرآن بشهادة الإعلام والسياسة والسلطة.

الشاهد يرى، ويعرف، ويُميّز، ثم يشهد بما عرف.

ولهذا فإن غياب الشهادة لا يعني أن الحقيقة لم تقع، بل يعني أن الشاهد لم يؤدِّ وظيفته.

وهنا تصبح المسألة أخطر. فإذا وقع الظلم أمام أعين الأمة، ثم عجزت عن تسميته، أو عجزت عن ربطه بما كشفه القرآن، أو تركت غيرها يحدد لها معنى ما يحدث، فالمشكلة لم تعد في غياب الآيات.

المشكلة في غياب الشهادة.

فلسطين ليست خارج المحاكمة

ما يحدث في فلسطين لا يمكن اختزاله في خبر سياسي عابر.

لأن الجريمة عندما تمر بلا شهادة، تتحول إلى سابقة. والسابقة عندما لا تواجه تتحول إلى نموذج. والنموذج عندما يصبح مقبولًا يمكن أن يتكرر.

ولهذا لا تنتهي القضية عند الأرض الفلسطينية. فالقرآن حين يتحدث عن الإفساد في الأرض، والعلو، وتغيير خلق الله، لا يضع أمامنا ملفًا تاريخيًا مغلقًا، بل يكشف مسارًا يجب على الأمة أن تعرفه عندما يظهر في الواقع.

وهنا يصبح السؤال: هل ترى الأمة ما يحدث؟

نعم، ترى. لكن السؤال الأصعب: هل تشهد عليه؟

كيف حُجبت الشهادة؟

بعد الحكم في قضية النصيب المفروض، انتقل السؤال من: من هو النصيب المفروض؟ إلى سؤال أكبر: كيف استطاع أن يُحجب عن الأمة ما كشفه القرآن؟

فالقرآن لم يترك الأمة بلا دليل، ولم يقل لها فقط: «كونوا شهداء»، بل أعطاها الكتاب، والآيات، والميزان، ودعاها إلى التدبر والنظر والاعتبار.

ومع ذلك، يمكن للإنسان أن يرى الآية ولا يرى دلالتها، وأن يقرأ النص ولا يربطه بالنص، وأن يرى الواقع ولا يضعه أمام القرآن.

وهنا يحدث أخطر أنواع الحجب:

أن يبقى القرآن مفتوحًا أمام العين، بينما تُغلق دلالاته أمام العقل.

الشهادة تبدأ من القرآن

الأمة لا تصبح شاهدة لأنها تنتمي إلى أمة اسمها «الإسلام»، ولا لأنها ترفع شعار الشهادة، ولا لأنها تكرر ما قاله السابقون.

إنما تصبح شاهدة عندما تقوم بوظيفة الشهادة التي حددها القرآن: أن تعرف ما أنزل الله، وأن تقرأ الآيات بعضها ببعض، وأن تكتشف المسار الذي يكشفه النص، وأن ترى أثره عندما يظهر في الواقع، ثم تشهد عليه.

وهنا تتضح العلاقة بين البلاغ والشهادة:

الرسول بلّغ. القرآن كشف. والأمة عليها أن تشهد.

وهنا تعود المحاكمة إلى فلسطين

عندما ننظر إلى فلسطين من هذه الزاوية، لا يعود السؤال: ماذا يقول العالم عما يحدث؟ بل: ماذا يقول القرآن؟

ولا يعود السؤال: من يصف الحدث لنا؟ بل: هل نستطيع أن نراه نحن؟

ولا يعود السؤال: هل الأمة شاهدة؟ بل: أين شهادتها؟

لأن الشهادة التي لا تظهر عندما يقع الظلم، ولا تُسمّي الجريمة، ولا تقف أمام الفساد، تتحول إلى مجرد لقب.

والقرآن لم يجعل الأمة ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لكي تكون شاهدة على التاريخ بعد انتهائه، بل لكي تكون شاهدة عندما يقع الحدث.

المحاكمة الأخيرة لم تنتهِ

لقد بدأت المحاكمة بالسؤال: ما هو النصيب المفروض؟ ثم انتقلت إلى: كيف يعمل؟ ثم إلى: إلى أين يقود؟

ثم ظهر أمامنا مسار:

الإضلال ← التمنية ← الأمر ← الإفساد ← العلو ← تغيير خلق الله

لكن بعد الحكم، بقي سؤال أخطر: إذا كان القرآن قد كشف هذا كله، فلماذا لم تقم الأمة بوظيفتها كشاهد؟

وهنا لم تعد المحاكمة محاكمة طرف واحد، بل أصبحت: محاكمة الشهادة نفسها.

ففلسطين ليست فقط أرضًا تُحتل، وليست فقط شعبًا يُقتل. إنها أيضًا اختبار للأمة التي قال الله عنها: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.

والسؤال الذي يبقى بعد كل ما سبق ليس: هل يعرف العالم ما يحدث؟ بل: هل تعرف الأمة ما يحدث؟

وليس: هل يتكلم الآخرون؟ بل: هل تشهد الأمة بما أنزل الله؟

لأن القرآن لم يكشف مشروع الشيطان لكي تبقى الأمة تروي قصته، بل لكي تعرفه عندما يظهر، وتكشفه عندما يعمل، وتشهد عليه عندما يقع.

فالبلاغ كان بداية المسؤولية، والشهادة امتدادها.

الرسول بلّغ. والقرآن كشف. والأمة أُمرت أن تشهد.

وهنا تقف المحاكمة الأخيرة أمام الأمة نفسها:

إذا كانت الآيات أمامنا، والأحداث أمام أعيننا، فما الذي بقي حتى نشهد؟

أم أننا أصبحنا شهودًا على ما يقوله الآخرون لنا، بدل أن نكون شهداء بما أنزل الله؟

مواد القضية ذات الصلة

المحاكمة الفاصلةقضية «النصيب المفروض» أمام محكمة الحقيقة والنصبعد الحكم: شهادة الأمة على الناسهل أدّت الأمة شهادتها في قضية «النصيب المفروض»؟المحاكمة الأخيرة الثالثة: محاكمة الشهودحين تُسأل الأمة عن شهادتها

رفيق القراءة