
بعد المحاكمة الأولى والثانية
هذه المحاكمة ليست بداية القضية، بل تبدأ من حيث انتهت المحاكمتان السابقتان.
في المحاكمة الأولى سألت المحكمة: من أين بدأت الجريمة؟
وانتهت القضية إلى: قتل الأخ الأول، والاشتراك مع إبليس في إضلال الإنسان.
ثم جاءت المحاكمة الثانية وسألت: من هو النصيب المفروض، وما الوظيفة التي يقوم بها؟
وانتهت المحكمة إلى حكمها: ثبتت التهمة الأولى: النصيب المفروض. وثبتت التهمة الثانية: تنفيذ مشروع الإضلال والتمنية والأمر والتغيير.
وحددت المحكمة أن المقصود في هذه القضية ليس عموم بني إسرائيل، وإنما: اليهود؛ الفئة المحددة من بني إسرائيل التي وصفها القرآن بأفعالها ومواقفها والتي سمت نفسها يهودًا.
وبذلك لا تعيد المحكمة الثالثة فتح الأحكام السابقة. الحكم السابق ثابت.
لكن بقي سؤال لم تجب عنه المحاكمتان: إذا كُشف المشروع، وكُشف النصيب، وكُشفت الوظيفة… فمن كان شاهدًا على ذلك؟
وهنا تبدأ المحاكمة الثالثة.
المحاكمة الأولى: من أين بدأت الجريمة؟قتل الأخ الأول، والاشتراك مع إبليس في إضلال الإنسان.المحاكمة الثانية: قضية «النصيب المفروض»من هو النصيب المفروض، وما الوظيفة التي يقوم بها؟المشهد الأول: من إبليس إلى النصيب المفروض
يعود القاضي إلى أصل الملف. قال إبليس:
﴿ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ﴾
ثم كشف عن وظيفة هذا النصيب:
﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾
لكن المحكمة لا تقفز مباشرة إلى هوية النصيب، بل تعود إلى بداية السلسلة:
إبليس → إسرائيل → بني إسرائيل.
يقول القرآن:
﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾
ثم يقول:
﴿ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ ﴾
إسرائيل اسم مفرد، وبنو إسرائيل جماعة. والقرآن يضع إسرائيل في سياقه قبل نزول التوراة، ثم يستخدم بعد ذلك تعبير بني إسرائيل.
إذن تسجل المحكمة المسار الذي ستختبره: إبليس → إسرائيل → بني إسرائيل. لكنها لا تحول هذا المسار إلى اتهام نسبي؛ فليس كل بني إسرائيل متهمين.
المشهد الثاني: من بني إسرائيل إلى اليهود
تنتقل المحكمة من الاسم إلى الفئة التي وصفها القرآن.
﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾
﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ… يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾
ثم يظهر الاسم: اليهود.
لكن القرآن لا يسمح بتحويل بني إسرائيل إلى كتلة واحدة؛ بل يقول: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، ويقول: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾.
لذلك تسجل المحكمة قاعدة أساسية: لا اتهام بالنسب.
والقضية ليست: بنو إسرائيل = متهمون. بل فئة محددة وصفها القرآن بأفعال ومواقف ووظيفة. وهذه هي الفئة التي انتهت المحاكمة الثانية إلى تحديدها في هذه القضية: اليهود.
المشهد الثالث: من النصيب إلى الوظيفة
تفتح المحكمة ملفًا آخر:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾
﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾
هنا لا تبحث المحكمة عن كلمة منفردة، بل عن اجتماع:
النصيب + الكتاب + كتمان الحق + لبس الحق بالباطل + ليّ الكتاب + الجبت والطاغوت.
ثم تعود إلى: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾.
وهنا صدر الحكم في المحاكمة الثانية: اليهود هم النصيب المفروض في هذه القضية. ولا تعيد المحكمة الثالثة بحث هذا الحكم، بل تسأل: ما طبيعة عمل هذا النصيب؟
المشهد الرابع: مشروع عام ومشروع خاص
هنا تكتشف المحكمة أن ملف إبليس يحتوي على مستويين مختلفين.
أولًا: المشروع العام — الغواية
قال إبليس:
﴿ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
فالنطاق هنا واسع: أجمعين. والقرآن يكشف أدوات هذا المسار، ومنها:
﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ﴾
﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
﴿ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾
﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾
إذن أمام المحكمة مشروع عام:
الغواية → الوسوسة → التزيين → التمنية → التأثير.
وهو مشروع يستهدف الإنسان على نطاق واسع.
ثانيًا: المشروع الخاص — الإضلال والتغيير
لكن المحكمة تجد مسارًا آخر أكثر تحديدًا:
﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ… ﴾
هنا تظهر سلسلة مختلفة: الإضلال → التمنية → الأمر → التغيير.
والقرآن نفسه يقول:
﴿ رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ﴾
فتظهر أمام المحكمة عبارة: الذين أضلانا. وليس: الذين أغويانا.
وهنا تسجل المحكمة الفرق الذي يكشفه التدبر: الغواية تصف حالة من وقع في الغواية، أما الإضلال فهو فعل يقع من مُضلّ على غيره.
قال عن آدم:
﴿ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴾
وقال أهل النار: ﴿الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾.
إذن السؤال ليس: من غوى؟ بل: من أضل؟
وهنا تنتقل القضية من مجرد إنسان واقع في الانحراف إلى إنسان يدخل في وظيفة التأثير في انحراف غيره. وهذا هو المسار الخاص الذي يرتبط بالنصيب المفروض في هذه القضية.
المشهد الخامس: الإضلال ليس نهاية المشروع
تعود المحكمة إلى الآية: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾. لكنها لا تتوقف، بل: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، ثم: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾، ثم: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾، ثم: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
إذن المشروع الخاص ليس مجرد إضلال. إنه مسار متكامل:
إضلال → تمنية → أمر → تغيير.
وهنا تتضح أهمية الفصل بين المشروعين: الغواية العامة تستهدف الإنسان، أما المشروع الخاص فيستهدف الوصول بالإنسان إلى فعل التغيير.
المشهد السادس: ما هو «خلق الله»؟
تصل المحكمة إلى أخطر كلمة في السلسلة:
﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
والقرآن يقول:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
فالخلق لا يقتصر على الإنسان، بل يدخل فيه عالم السماوات والأرض وما بينهما، والإنسان، والحيوان، والنبات، وسائر الخلق.
ولهذا يظهر المستوى المادي من التغيير. والقرآن أعطى مثالًا مباشرًا: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.
وفي عصرنا يمكن وضع قضايا مثل الهندسة الوراثية، وتعديل الجينات، والاستنساخ، والتدخل في الخصائص البيولوجية أمام هذا النص لاختبار مدى انطباق المفهوم عليها.
لكن المحكمة تفتح بابًا آخر.
المشهد السابع: تغيير ما ترى به
يقول القرآن:
﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾
هنا يظهر اتصال: الخلق → الفطرة → الإنسان → الدين.
ومن هنا يمكن اختبار المستوى المعنوي من التغيير: الفطرة، والفكر، والإدراك، والمعرفة، والاختيار، والدين، وعلاقة الإنسان بالزمن والمعنى.
فتصبح العبارة: قد يُغيَّر ما تراه، وقد يُغيَّر ما ترى به.
قد يكون التغيير في الشيء المخلوق، وقد يكون في الإنسان الذي يستقبل الشيء، ويفهمه، ويدركه، ويحكم عليه.
وهنا لا تعود القضية مجرد تغيير في الشكل، بل يصبح السؤال: هل يمكن أن يمتد التغيير إلى الإنسان نفسه، وإلى الطريقة التي يرى ويفهم بها خلق الله والحق والدين؟
وهذا هو مجال الاختبار الذي تفتحه الآية.
المشهد الثامن: شاهد من القرآن — السامري
تستدعي المحكمة شاهدًا من داخل القرآن: السامري. ليس لأن القرآن سماه صراحةً «مضلًا»، وإنما لأن قصته تقدم نموذجًا لفعل انتقل من الداخل إلى الجماعة.
قال:
﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ﴾
ثم:
﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾
ثم صنع العجل:
﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ﴾
وقال: ﴿هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ﴾.
ويقول هارون:
﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ﴾
إذن أمام المحكمة نموذج قرآني:
تسويل → فعل → تأثير في الجماعة → فتنة الجماعة.
والقرآن لا يحتاج في كل مرة إلى تسمية الفاعل بالمضل؛ بل يعرض الفعل وآثاره. وهنا يعود السؤال: متى تتحول غواية الفرد إلى وظيفة إضلال للآخرين؟
المشهد التاسع: الأمة الواحدة
بعد أن عرفت المحكمة طبيعة المشروع، تنتقل إلى الطرف الذي سيشهد عليه.
﴿ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾
فالأمة في أصلها القرآني ليست مجرد اسم. إنها أمة واحدة، ولها أصل جامع: رب واحد وعبادة الله.
ثم يقول:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
فتسجل المحكمة: أُخرجت للناس. ولها وظيفة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله.
إذن الأمة ليست مجرد جماعة تحمل اسمًا. لها وظيفة تجاه الناس. والسؤال الآن: هل من هذه الوظيفة أن تشهد؟
المشهد العاشر: من البلاغ إلى الشهادة
تعود المحكمة إلى الرسول.
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾
فالبلاغ وظيفة الرسول. وما أنزل الله يدخل في البلاغ. والتحذير الذي كشفه القرآن لا يخرج عن مادة ما أنزل الله.
ثم تأتي الآية الفاصلة:
﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾
هنا يظهر البناء الكامل:
الرسول → الأمة → الناس.
الرسول شهيد على الأمة، والأمة شهداء على الناس.
ولم تتوقف الآية عند: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، بل أضافت: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
فأصبحت الشهادة في اتجاهين: الرسول على الأمة، والأمة على الناس. وهنا تبدأ المحاكمة الثالثة فعليًا.
المشهد الحادي عشر: ماذا بعد الرسول؟
السؤال: هل تنتهي وظيفة الشهادة بانتهاء حياة الرسول؟
القرآن لم يسند الشهادة على الناس إلى الرسول وحده، بل قال للأمة: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
فوظيفة الشهادة أسندت إلى الأمة نفسها. ومن هنا يظهر انتقال الوظيفة: الرسول يبلغ ويشهد على الأمة، والأمة تشهد على الناس.
ولا يعني ذلك أن الأمة تحمل مقام الرسول في النبوة أو الرسالة، بل تحمل وظيفة الشهادة التي نص عليها القرآن لها.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحًا: إذا كان الرسول قد بلّغ… فهل أدّت الأمة شهادتها؟
المشهد الثاني عشر: لا اتهام جماعي ولا إعفاء جماعي
هنا يقف الدفاع.
الدفاع: الموروث
يقول: الأمة ليست فردًا واحدًا. وليس كل إنسان عالمًا. وليس كل إنسان صاحب قرار. وليس كل إنسان قادرًا على البحث أو البيان أو التغيير.
وهذا الدفاع لا ترفضه المحكمة، بل تقبله من حيث الأصل؛ لأن القرآن نفسه يميز بين الناس. لكن قبول هذا المبدأ لا يعني إعفاء الجميع.
﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾
﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ﴾
إذن لا توجد أمام المحكمة تهمة جماعية، لكن لا يوجد أيضًا إعفاء جماعي.
كل إنسان يدخل في الشهادة من موقعه: بعلمه، وبقدرته، وباختصاصه، وبموقعه، وبقدر المسؤولية التي تحملها.
فالعالم ليس كغير العالم، والباحث ليس كغير الباحث، وصاحب الاختصاص ليس كمن لا اختصاص له، وصاحب القرار ليس كمن لا يملك قرارًا، ومن كانت له قدرة ليست كمن لا قدرة له.
ولهذا لا تسأل المحكمة: لماذا لم يفعل الجميع كل شيء؟ بل تسأل: ماذا كان يستطيع هذا الإنسان أن يعرف؟ وماذا كان يستطيع أن يفعل؟ وما الذي كان مسؤولًا عنه؟ وهل أدى شهادته؟
المشهد الثالث عشر: شهادة الأمة ليست لقبًا
تعود المحكمة إلى بداية هذا الملف.
المشروع العام: الغواية → الإنسان.
والمشروع الخاص: الإضلال → التمنية → الأمر → التغيير.
والنصيب المفروض في هذه القضية: اليهود.
ثم تأتي الأمة: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
وهنا تتضح وظيفة الشهادة. الأمة ليست مطالبة بحمل الاسم فقط. وليست الشهادة شهادة انتماء. وليست الشهادة ترديد ما قيل لها.
بل:
رؤية → علم → تمييز → بيان → شهادة.
فإذا كان هناك إضلال، فالشاهد يسأل عن الإضلال. وإذا كانت هناك تمنية، فالشاهد يسأل عن التمنية. وإذا كان هناك أمر، فالشاهد يسأل عن الأمر. وإذا ظهر تغيير، فالشاهد يسأل عن التغيير.
لا لأن الأمة متهمة بتنفيذ المشروع، بل لأنها وضعت في القرآن في مقام: الشهادة على الناس.
المشهد الرابع عشر: سلسلة المحاكمات الثلاث
يرفع القاضي الملفات الثلاثة أمامه.
المحاكمة الأولى
من أين بدأت الجريمة؟
النتيجة: قتل الأخ الأول، والاشتراك مع إبليس في إضلال الإنسان.
المحاكمة الثانية
من هو النصيب المفروض، وما وظيفته؟
النتيجة: اليهود هم النصيب المفروض في هذه القضية.
والوظيفة: الإضلال → التمنية → الأمر → التغيير.
ثم ظهر أن المشروع له مستويان: مشروع عام: الغواية. ومشروع خاص: الإضلال والتمنية والأمر والتغيير.
المحاكمة الثالثة
بعد أن كُشف المشروع… من يشهد؟
يأتي الجواب:
﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
فتكتمل السلسلة:
إبليس → إسرائيل → بني إسرائيل → الذين هادوا → اليهود → النصيب المفروض → المشروع الخاص → الإضلال → التمنية → الأمر → التغيير → الأمة الشاهدة → الإنسان الشاهد.
وهنا لا تعود القضية قضية تاريخ فقط، بل تصبح قضية شهادة.
⚖️ الحكم النهائي
القاضي
بعد أن استمعت المحكمة إلى ملف القضية، وإلى الأحكام الصادرة في المحاكمتين السابقتين، فإنها لا تعيد فتح ما سبق الحكم فيه، وإنما تبني عليه.
وقد ثبت في المحاكمة الثانية:
أولًا: أن اليهود هم النصيب المفروض في هذه القضية، وهم الفئة المحددة من بني إسرائيل التي وصفها القرآن بأفعالها ومواقفها والتي سمت نفسها يهودًا.
ثانيًا: أن الوظيفة المرتبطة بهذا النصيب هي:
الإضلال → التمنية → الأمر → التغيير.
كما تبين للمحكمة أن القرآن يعرض مستويين من مشروع إبليس: مشروعًا عامًا في الغواية، يستهدف الإنسان على نطاق واسع؛ ومشروعًا خاصًا في الإضلال والتمنية والأمر والتغيير، يقود إلى تغيير خلق الله.
ولا تحكم المحكمة على عموم بني إسرائيل، ولا على كل فرد لمجرد النسب أو الاسم.
أما الأمة، فقد وضعها القرآن في مقام واضح:
﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
والرسول:
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
وعليه تقرر المحكمة:
الشهادة وظيفة وليست لقبًا.
لا اتهام جماعي، ولا إعفاء جماعي، بل مسؤولية بقدر: العلم، والقدرة، والاختصاص، والموقع، وما تحمله الإنسان من مسؤولية.
ولذلك لا تسأل المحكمة الإنسان: لماذا لم تفعل ما لا تستطيع؟ بل تسأله: ماذا علمت؟ ماذا استطعت؟ ما مسؤوليتك؟ وماذا فعلت بشهادتك؟
ثم ينظر القاضي إلى ملف القضية ويقول:
انتهى السؤال عن من كان المتهم. وانتهى السؤال عن وظيفة النصيب. وبقي سؤال الشاهد.
ثم يرفع الحكم:
لم يعد الملف أمام المحكمة. لقد أصبح أمام الشاهد نفسه. فهل أدّى شهادته؟
رفعت الجلسة.
انتهت المحاكمات الثلاث… وبدأت الشهادة.
