القصة والحكاية

أنا وبناتي

رحلة أب وبناته الثلاث بين ميونخ وزيورخ وباريس ولندن · ٢٠٢٦

أنا وبناتي

الفكرة المركزية

أجمل ما يتركه الأب في قلب بناته ليس المدن التي زاروها، بل اللحظات التي شعرن فيها أنه يراهن ويسمعهن.

٢٠٢٦ · دار العرّاب للطباعة والنشر والتوزيع — دمشق

أنا وبناتي

رحلة أب وبناته الثلاث بين ميونخ وزيورخ وباريس ولندن

رحلة خاصة يقتطع فيها أب من الزمن أيامًا لبناته الثلاث، فيكتشفن أباهم قبل أن يكون أبًا، ويتعلمن أن الذكريات الصغيرة قد تصبح أثمن ما يبقى.

قد نظن أننا نأخذ أبناءنا في رحلة، ثم نكتشف في نهايتها أنهم كانوا يأخذوننا إلى أنفسنا.
عدد الفصول
٨
الطبعة
الطبعة الأولى
اللغة
العربية

القصة كاملة متاحة للقراءة أدناه.

اقرأ القصة

أنا وبناتي

رحلة أب وبناته الثلاث بين ميونخ وزيورخ وباريس ولندن

قراءة ملخّص قصير للمقال — خيار أسرع وأوفر من السرد الكامل.

لم تكن الرحلة هذه المرة رحلة عائلية بكل أفرادها.

لدي أولاد وبنات، وكانت زوجتاي في قطر مع الأولاد، بينما قررت أن أصطحب بناتي الثلاث في رحلة خاصة بنا.

لم تكن هناك مناسبة محددة وراء القرار.

كنت فقط أشعر أن بناتي يكبرن بسرعة.

نور في الثالثة عشرة. واعية أكثر مما يوحي به عمرها، كثيرة الأسئلة، تراقب الأشياء بصمت، ثم تفاجئني بسؤال يجعلني أعود بذاكرتي سنوات إلى الوراء.

وفجر في الحادية عشرة. طيبة القلب، سريعة التأثر، تستطيع أن تحزن من أجل شخص لا تعرفه، أو تفرح لشيء صغير قد لا يلتفت إليه غيرها.

أما بدور، ذات الأعوام التسعة، فكانت ضحكة الرحلة. أينما ذهبت حملت معها شيئًا من الفرح، وإذا ساد الصمت وجدت سببًا لتضحك.

كنت أشعر أن السنوات تمضي أمامي بسرعة، وأن كل واحدة منهن ستكبر يومًا، وتصبح لها حياتها الخاصة، وأصدقاءها، وأحلامها، وربما بيتها الذي لن يكون لي فيه إلا مكان الأب الذي تزوره بين الحين والآخر.

فقلت في نفسي: لماذا لا أقتطع من الزمن أيامًا تكون لي ولهن وحدنا؟

أردت أن أخرج بهن من روتين البيت والمدرسة، وأن نمشي معًا بلا استعجال، وأن أسمع ما لا أسمعه في البيت، وأن أحكي لهن عن أبيهن قبل أن يكون أبًا.

كنت أريد أن يعرفن أنني كنت يومًا شابًا في الثامنة عشرة، يحمل أحلامًا ومخاوف، ويمشي في شوارع بريطانيا، ويزور المدن الأوروبية، ولا يعرف إلى أين ستأخذه الحياة.

وهكذا بدأت الرحلة. أنا وبناتي الثلاث.

من قطر إلى ميونخ

في المطار كان الوداع بسيطًا، لكنه لم يكن خاليًا من المشاعر.

كانت زوجتاي مع الأولاد يودعوننا. احتضنت البنات إخوتهن، وتعالت بعض الضحكات، ثم جاء وقت الرحيل.

نظرت إلى الأولاد، ثم إلى البنات الثلاث، وفكرت أن الأسرة الواحدة قد تكون في أماكن مختلفة، لكن القلوب تبقى مرتبطة.

صعدنا الطائرة. جلست البنات بجانبي. وبعد أن استقرت الطائرة في السماء، بدأت الرحلة الحقيقية.

وصلنا إلى ميونخ، وكان محمد، خال البنات، في انتظارنا. استقبلنا بابتسامته، ثم أخذنا بالسيارة باتجاه زيورخ.

ثلاث ساعات من الطريق. كانت البنات يتحدثن ويضحكن، وأنا أراقبهن من المرآة.

وفي لحظة سألتني نور:

— أبي، كيف كانت حياتك عندما كنت في عمرنا؟

ابتسمت. قلت:

— كانت مختلفة.

قالت:

— كيف؟

قلت:

— كنت أدرس في بريطانيا، وكنت أزور المدن الأوروبية كلما سنحت لي الفرصة.

ثم سألتني:

— وهل كنت تخاف وأنت بعيد عن أهلك؟

صمت قليلًا. ثم قلت:

— نعم، أحيانًا.

نظرت إليّ بدهشة. ربما كانت تلك أول مرة تفكر فيها أن أباها لم يكن دائمًا الرجل الذي تعرفه اليوم.

كان يومًا شابًا. وكان له خوفه وأحلامه ووحدته.

بدأت أحكي لهن عن تلك الأيام، عن المدن التي زرتها، والفنادق التي أقمت فيها، والأشخاص الذين عرفتهم.

كنت أحكي… وهن يكتشفن أباهن.

زيورخ وفنفونة

وصلنا إلى زيورخ. كان لنا أقارب يعيشون في الريف، واستقبلونا بحفاوة.

تعرفت البنات على فتيات في أعمارهن، وسرعان ما اختفت الغربة. أصبحت الضحكات تملأ المكان.

لكن طفلة صغيرة جذبتني إليها بطريقة لم أتوقعها. كان عمرها أربع سنوات. اسمها فنفونة.

في البداية كانت تنظر إليّ من بعيد. ثم اقتربت. وفي اليوم الثاني أصبحت تجلس بجانبي. وفي اليوم الثالث لم تعد تتركني.

إذا خرجنا أمسكت بيدي. وإذا جلست جاءت وجلست بجانبي. كنت أحملها وألاعبها.

وفي إحدى المرات، ونحن نتمشى في الريف، قطفت زهرة صغيرة ومدتها إليّ.

قلت:

— هذه لي؟

قالت:

— نعم.

قلت:

— لماذا؟

نظرت إليّ بعينيها الصغيرتين وقالت:

— لأنك تحبني.

ابتسمت. لم أعرف ماذا أقول. كانت طفلة في الرابعة، لكنها قالت جملة بقيت في قلبي.

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى كلمات كثيرة ليعرف أنه محبوب. تكفيه زهرة صغيرة من يد طفلة.

قضينا خمسة أيام جميلة في زيورخ. زرنا المدينة، ومشينا بجانب البحيرة، واستمتعنا بالطبيعة والريف، وجلست البنات مع صديقاتهن الجديدات.

ثم جاء اليوم الذي لم نكن نريده. يوم الرحيل.

بدأت الحقائب تتحرك، لكن القلوب بقيت مكانها.

فجر احتضنت إحدى صديقاتها وبكت. نور حاولت أن تخفي مشاعرها. أما بدور فكانت تسأل:

— لماذا لا نبقى يومين آخرين؟

ثم جاءت فنفونة. لم تكن تفهم معنى السفر، لكنها فهمت أنني سأغادر. ركضت نحوي.

— عمو!

حملتها. قالت:

— لا تروح.

قلت:

— سأرجع.

سألت:

— متى؟

صمت. ماذا يمكن أن أقول لطفلة في الرابعة عن المسافة بين زيورخ وقطر؟

احتضنتها. ثم أنزلتها. بدأت أمشي.

نادَتني:

— عمو!

التفت. كانت واقفة وتلوح بيدها الصغيرة. لوحت لها. ثم مشيت.

كنت ألتفت كل بضع خطوات. كانت لا تزال هناك. حتى اختفت عن عيني.

دخلنا القطار. جلست البنات. لم يتحدث أحد. انطلق القطار.

وبينما كانت زيورخ تبتعد، شعرت أن شيئًا مني بقي هناك.

بعد دقائق اهتز هاتفي. كانت رسالة صوتية. فتحتها.

كان صوت فنفونة، صغيرًا ومترددًا، وفيه شيء من الحزن:

— عمو… متى بترجع؟

أغلقت الهاتف. لم أستطع الرد. نظرت من النافذة. كانت الجبال تبتعد.

وفهمت أن بعض الوداعات لا تحتاج إلى دموع. يكفي سؤال طفل صغير حتى يؤلم القلب.

باريس… حين اجتمع الحزن والفرح

وصلنا إلى باريس. كان المطر يهطل على المدينة. ذهبنا إلى الفندق في شارع الشانزليزيه.

كان الحزن لا يزال معنا، لكن الأطفال لا يستطيعون الحزن طويلًا.

في اليوم التالي قالت بدور:

— أبي، نريد أن نذهب إلى برج إيفل.

قلت:

— إذن لنذهب.

خرجنا. وقفنا أمام البرج والمطر يلامس وجوهنا.

رفعت نور رأسها وقالت:

— كيف يكون الإنسان سعيدًا وحزينًا في نفس الوقت؟

نظرت إليها. قلت:

— لأن القلب يستطيع أن يحمل أكثر من شعور.

ضحكت بدور، وبدأت تقفز فوق برك الماء. ضحكت فجر. ثم ضحكت نور. وضحكت أنا. وعاد شيء من الدفء إلى الرحلة.

أحيانًا تكون أفضل طريقة لمواجهة الحزن أن نصنع ذكرى جديدة.

لندن… أبي قبل أن يكون أبًا

بعد باريس أخذنا القطار إلى لندن.

بالنسبة إليّ لم تكن لندن مدينة عادية. كانت جزءًا من شبابي.

ذهبت مع بناتي إلى هايد بارك، وبدأت أشير إلى الأماكن.

— هنا كنت أمشي عندما كنت طالبًا.

— هنا كنت أجلس.

— وهذا المكان كنت أزوره كثيرًا.

كانت نور تستمع باهتمام. ثم قالت:

— أبي، هل كنت سعيدًا عندما كنت في الثامنة عشرة؟

توقفت. قلت:

— كنت أبحث عن السعادة.

قالت:

— وهل وجدتها؟

نظرت إليها، ثم إلى فجر وبدور. ابتسمت.

— نعم.

قالت:

— أين؟

نظرت إلى البنات.

— هنا.

ضحكت. وواصلنا المشي في هايد بارك.

بدور والمرأة العجوز

وفجأة توقفت بدور. كانت تنظر إلى امرأة عجوز تجلس على الرصيف بالقرب من أحد الممرات.

كانت المرأة هادئة، وملامح التعب واضحة على وجهها. لم تكن تطلب شيئًا بصوت مرتفع، لكنها كانت تمد يدها أحيانًا لمن يمر، ثم تعيدها إلى حضنها.

قالت بدور:

— أبي، هل تعطيني نقودًا؟

قلت:

— لماذا؟

أشارت إلى المرأة.

— أريد أن أعطيها.

قلت:

— هل تعرفين أنها تحتاجها؟

قالت:

— لا أعرف… لكن شكلها يقول إنها تحتاج أحدًا يساعدها.

نظرت إلى بدور. لم تكن تفكر في المال نفسه. كانت تفكر في الإنسان الذي أمامها.

أعطيتها بعض النقود.

ذهبت بدور بخطوات صغيرة نحو المرأة، وانحنت قليلًا ومدت يدها إليها.

رفعت المرأة رأسها. ابتسمت لها. قالت شيئًا لم نفهمه جيدًا، ثم وضعت يدها على قلبها.

ابتسمت بدور وعادت إلينا. قلت لها:

— لماذا أعطيتها؟

قالت:

— لأنها كانت وحدها.

قلت:

— ربما كانت تحتاج أكثر من المال.

سألتني:

— ماذا تحتاج؟

نظرت إلى المرأة من بعيد. قلت:

— ربما تحتاج أن يشعر أحد بأنها ليست غير مرئية.

سكتت بدور. ثم قالت:

— إذن أنا رأيتها.

كانت جملة طفلة. لكنها هزّتني من الداخل.

في تلك اللحظة شعرت أنني لم أكن أنا من يعلّم بناتي عن الحياة. أحيانًا هن من يعلّمنني.

وضعت يدي على رأس بدور. وقلت:

— الله يحفظ قلبك يا ابنتي.

ومضينا. لكن ذلك المشهد بقي معنا بقية اليوم.

لندن التي أعرفها… ولندن التي يكتشفنها

بعدها أخذتهن إلى الفندق الذي كنت أقيم فيه عندما كنت في الثامنة عشرة.

كان المكان قد تغير كثيرًا. لكن الذاكرة لم تتغير.

وقفت في اللوبي أحكي لهن عن ذلك الشاب الذي كنت عليه.

وفجأة دخلت ابنة خالتي مع ابنتها. رأتني وتوقفت.

— أنت هنا؟

ضحكت.

— صدفة خير من ألف ميعاد.

جلسنا وتبادلنا الحديث عن العائلة والسنوات الماضية. كانت البنات يستمعن.

وأدركت أنني لا أحكي لهن عن لندن فقط. كنت أعطيهن قطعة من تاريخي.

مانشستر… حين رأيت الزمن أمامي

في اليوم التالي ذهبنا إلى مانشستر. كان صديقي كيفن يعيش في الريف.

أربعة أيام بين الخضرة والهدوء والخيول.

كانت ابنة كيفن تحب ركوب الخيل، وسرعان ما تحمست بناتي.

فجر كانت مترددة. نور تراقب. أما بدور فكانت مستعدة منذ اللحظة الأولى.

صعدت إلى الحصان وصرخت:

— أبي! انظر إليّ!

قلت:

— أراك.

ضحكت. راقبتها. وتذكرت عندما كانت صغيرة تمسك يدي حتى لا تقع.

والآن هي فوق حصان. كبرت. وكأنني لم ألاحظ ذلك.

في المساء جلسنا أمام البيت. كانت الشمس تغيب خلف الأشجار.

جلست نور بجانبي. ثم فجر. ثم بدور.

قالت نور:

— أبي، هل كنت تتمنى أن يكون لديك بنات؟

قلت:

— لم أكن أعرف أن الله سيعطيني ثلاثًا.

قالت بدور:

— نحن مفاجأة؟

قلت:

— أجمل مفاجأة في حياتي.

سكتنا قليلًا. ثم سألت نور:

— أبي، هل ستبقى معنا دائمًا؟

كان سؤالًا بسيطًا. لكنه دخل إلى قلبي.

قلت:

— سأبقى ما استطعت.

ثم قلت:

— أكثر شيء أخاف منه أن تكبرن بسرعة، وأن أكتشف يومًا أنني كنت أظن أن أمامنا وقتًا طويلًا.

اقتربت فجر وأمسكت يدي. وضعت بدور رأسها على كتفي. أما نور فاقتربت دون كلام.

ضممت بناتي الثلاث.

وفي تلك اللحظة شعرت أنني لا أملك شيئًا في الدنيا أكثر قيمة من هذه اللحظة.

«عمو… سيعود»

في اليوم الأخير فتحت هاتفي. كانت هناك رسالة من أهل زيورخ.

صورة لفنفونة. كانت تقف أمام الباب وتمسك حقيبتها الصغيرة.

وتحت الصورة:

«فنفونة تقول إن عمو سيعود.»

ابتسمت. شعرت بالشوق.

اشتقت إلى طفلة ليست ابنتي، لكنها أصبحت جزءًا صغيرًا من ذاكرتي.

نظرت إلى بناتي. قلت:

— هل تشتقن إلى زيورخ؟

قالت فجر:

— كثيرًا.

قالت بدور:

— وأنا أريد الخيول!

ضحكت. أما نور فقالت:

— وأنا أريد أن أرى فنفونة.

نظرت إليها. قلت:

— إذن سنعود.

وفي تلك اللحظة فهمت أن أجمل ما في السفر ليس أن تصل إلى أماكن جديدة، بل أن تترك وراءك أشخاصًا يجعلونك تشتاق إلى العودة.

العودة

في طريق العودة إلى قطر، كانت البنات نائمات. جلست أتأملهن.

نور كانت نائمة بهدوء. فجر تحتضن وسادتها. وبدور، كعادتها، نامت بطريقة تجعلني أبتسم.

تذكرت الرحلة. تذكرت سؤال نور. وحساسية فجر. وضحكة بدور.

وتذكرت المرأة العجوز في لندن، وكيف رأت بدور إنسانًا يحتاج إلى من يراه.

وتذكرت فنفونة وهي تلوح لي بيدها الصغيرة. ثم تذكرت صوتها:

— عمو… متى بترجع؟

فتحت صور بناتي القديمة على هاتفي. ثم نظرت إليهن وهن نائمات أمامي.

وسألت نفسي: متى كبرن؟

كان السؤال نفسه خطر لي في بداية الرحلة. لكن هذه المرة كان له معنى مختلف.

أدركت أن الأب لا يلاحظ مرور عمر أبنائه. هو يلاحظ فقط أنه في كل مرة ينظر إليهم يجدهم قد كبروا قليلًا.

وصلنا إلى قطر. كانت زوجتاي والأولاد في انتظارنا. عادت البنات إلى أحضان إخوتهن.

تعالت الأصوات والضحكات. كان الأولاد يسألون:

— ماذا أحضرتم لنا؟

وكانت البنات يتحدثن في الوقت نفسه عن زيورخ وباريس ولندن والخيول.

وقفت بعيدًا أراقبهم. شعرت أن الرحلة انتهت.

لكني اكتشفت أنني عدت بشيء لم يكن في حقائبنا. عدت بذكريات لا تخصني وحدي.

ذكريات تخصني أنا وبناتي.

ذكريات عن طرق مشيناها، ومدن رأيناها، وأناس أحببناهم، وطفلة صغيرة اسمها فنفونة ستبقى في ذاكرتنا، وامرأة عجوز علّمتني بدور أن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى شيء أبسط من المال:

أن يشعر أن أحدًا رآه.

وفي تلك الليلة، قبل أن أنام، وصلتني رسالة من زيورخ. كان فيها صوت فنفونة:

— عمو… تعال مرة ثانية.

ابتسمت. وضعت الهاتف جانبًا. ثم قلت في نفسي: سنعود.

لأن بعض الوداعات ليست نهاية. بعض الوداعات تبدأ منها قصة جديدة.

ولأنني أدركت أخيرًا أن الرحلة التي ظننت أنني أخذت فيها بناتي إلى أوروبا…

كانت في الحقيقة رحلة أخذتني أنا إليهن.

إلى قلوبهن. إلى طفولتهن. إلى أحلامهن.

وإلى ذلك الزمن القصير الذي لا نعرف قيمته إلا عندما يبدأ بالابتعاد.

تدبر

ربما لم تكن هذه الرحلة عن أوروبا أصلًا. كانت عن الزمن.

عن ذلك الشيء الذي لا نستطيع أن نوقفه، ولا نستطيع أن نعيده، ولا نعرف قيمته ونحن نملكه.

القرآن يلفت نظر الإنسان إلى الزمن بطريقة عميقة:

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾

الخسارة هنا لا تبدو مرتبطة بالمال أو المكان أو الأشياء التي نملكها، فإن الإنسان يعيش عمره لحظة بعد لحظة، وما مضى منه لا يعود.

ولهذا ربما كان أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان بوقته أن يحوله إلى أثر في إنسان آخر.

رحلة مع بناتي. حديث مع نور. يد تمسكها فجر. ضحكة من بدور. زهرة من طفلة اسمها فنفونة. وابتسامة من امرأة عجوز شعرت، ولو للحظة، أن أحدًا رآها.

هذه الأشياء تبدو صغيرة جدًا عندما تحدث. لكنها قد تصبح بعد سنوات من أثمن ما يبقى في الذاكرة.

والقرآن يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾

ولعل السؤال الذي يبقى بعد كل رحلة ليس: كم مدينة زرنا؟ ولا كم صورة التقطنا؟ ولا كم كيلومترًا قطعنا؟

بل: ماذا تركنا في قلوب من كانوا معنا؟

ربما لا يتذكر بناتي بعد عشرين سنة اسم الفندق، ولا رقم القطار، ولا تفاصيل الطريق.

لكنني أتمنى أن تتذكر نور أن أباها كان يسمع أسئلتها.

وأن تتذكر فجر أن يدها كانت تجد يد أبيها عندما تحتاجها.

وأن تتذكر بدور أنها في يوم من الأيام رأت إنسانًا وحيدًا، ولم تمر بجانبه وكأنه غير موجود.

وأتمنى أن تتذكر فنفونة أن رجلًا اسمه عمو قال لها: سنعود.

لذلك، ربما يكون معنى الرحلة الحقيقي ليس أن نبتعد عن المكان الذي نعيش فيه، بل أن نقترب من الأشخاص الذين نعيش معهم، دون أن ننتبه إلى أن الوقت يأخذهم منا قليلًا قليلًا.

قد نظن أننا نأخذ أبناءنا في رحلة، ثم نكتشف في نهايتها أنهم كانوا يأخذوننا إلى أنفسنا.

أنا وبناتي. ثلاث بنات. وأب واحد.

ورحلة انتهت على الخريطة… لكنها ربما لم تنته في القلب.

عبدالله المضاحكة

تابع الكاتب

لمتابعة الجديد من الكتب والمقالات والمواد المسموعة، تابع عبدالله جمعة المضاحكة على حساباته.

دعم مشروع تَدبُّر

كل مساهمة تُترجم إلى وقت بحثٍ وصفحةٍ جديدة

مشروع تَدبُّر مستقلّ بلا إعلانات ولا اشتراكات. دعمك يغطّي البحث والتحرير والتسجيل الصوتي وإتاحة المؤلفات مجّانًا للقرّاء.

  1. 1اختر مبلغًا، فتفتح صفحة الدفع الآمنة بالمبلغ جاهزًا.
  2. 2اضغط زر «Donate with Debit or Credit Card» أو ادخل بحسابك.
  3. 3أكمل الدفع — بلا تسجيل في الموقع.

لم تُفتح صفحة الدفع؟ افتحها مباشرة من هنا.

رفيق القراءة

المواد المرتبطة

من القسم نفسه — القصة والحكاية