الجمعة بين القرآن والواقع: هل فقدت الأمة وظيفة منبرها؟

قراءة في وظيفة اجتماع الجمعة كما يرسمها القرآن، والفجوة بين «فاسعوا إلى ذكر الله» وواقع الخطاب المعاصر.

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 6 قسماً

قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوٰةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

[الجمعة: ٩–١٠]

وقال تعالى:

﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ

[الأحقاف: ٢٩]

عند التأمل في هذه الآيات نجد أن القرآن يرسم صورة واضحة لوظيفة اجتماع الجمعة؛ فالله تعالى لم يقل: فاسعوا إلى الخطيب، ولم يقل: فاسعوا إلى قول البشر، وإنما قال:

﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

والقرآن يعرّف نفسه بأنه الذكر الذي أنزله الله لهداية الناس:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ

[الحجر: ٩]

وقال تعالى:

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ

[القلم: ٥٢]

ومن هنا فإن اجتماع الجمعة، وفق دلالة القرآن، ليس مجرد اجتماع لأداء شعيرة، بل هو اجتماع لتجديد الصلة بالوحي؛ أن تجتمع الأمة حول كتاب الله، تستمع إليه، وتتدبره، وتستخرج منه الهداية التي تواجه بها قضايا حياتها.

فالقرآن لم ينزل ليكون كتابًا للتلاوة المجردة فقط، بل ليكون منهجًا للحياة. فهو يتحدث عن العدل والظلم، والاقتصاد والتجارة، وإدارة المجتمع، والعلاقات بين الناس، وقضايا الحرب والسلم، وإصلاح الإنسان والمجتمع. ولذلك فإن القرآن عندما يكون حاضرًا في وعي الأمة لا يبقى كتابًا في المصاحف فقط، بل يصبح مصدرًا لبناء الفكر وصناعة المواقف.

ولو أصبحت خطبة الجمعة مساحة أسبوعية لتدبر آيات الله وربطها بواقع المسلمين، لكان المسجد مدرسة للوعي، يجتمع فيها الناس على مرجعية واحدة، ويبحثون عن حلول لمشكلاتهم من خلال هداية القرآن، بدل أن تتفرق الأمة بين مرجعيات متنازعة.

القرآن مرجعية الأمة ووحدة صفها

لقد ربط القرآن بين الوحدة والاعتصام بالوحي، فقال تعالى:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا

[آل عمران: ١٠٣]

كما حذر من تعدد الطرق التي تبعد عن الصراط الواحد:

﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ

[الأنعام: ١٥٣]

فالقرآن يجعل المرجعية الواحدة أساسًا لوحدة الأمة، بينما يؤدي تعدد المرجعيات المتفرقة إلى زيادة أسباب الاختلاف؛ لأن كل جماعة قد تجعل لها مصدرًا خاصًا للفهم والموقف، بينما يبقى القرآن هو الأصل الذي دعا الله إلى الاجتماع عليه.

ويؤكد القرآن أن الغاية ليست مجرد القراءة، بل التدبر والفهم:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا

[النساء: ٨٢]

فالتدبر هو الذي يحول القرآن من كلمات تُتلى إلى منهج يُبنى عليه الوعي. ومن هنا فإن هجر القرآن لا يعني فقط ترك تلاوته، بل قد يكون أيضًا إبعاده عن موقع القيادة والتوجيه.

قال تعالى:

﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا

[الفرقان: ٣٠]

وقد يكون من صور الهجر أن يبقى القرآن حاضرًا في الأصوات، لكنه يغيب عن صناعة الفكر والقرار؛ حاضرًا في المناسبات، لكنه لا يكون المرجعية التي تُعرض عليها قضايا الأمة.

الواقع المعاصر والفجوة بين القرآن والممارسة

عند النظر إلى واقع بعض المنابر في العالم الإسلامي اليوم، تظهر ظاهرة تستحق التأمل؛ وهي انتقال الخطاب في كثير من البيئات من مساحة مفتوحة لتدبر القرآن وربطه بواقع الناس إلى خطاب أكثر تقنينًا، حيث تُحدد في بعض الدول عناوين الخطب مسبقًا، ويُحدد زمنها، وتصبح مساحة تناول القضايا الكبرى من خلال القرآن محدودة.

ولا تكمن الإشكالية في تنظيم الخطاب الديني بحد ذاته، وإنما في السؤال عن أثر هذا التنظيم على وظيفة منبر الجمعة التي تشير إليها الآيات؛ وهي أن يكون اجتماعًا حول ذكر الله وتدبر كتابه، ومجالًا لربط الوحي بحياة الأمة وقضاياها.

فحين يغيب التدبر القرآني، أو يصبح حضور القرآن مقتصرًا على تلاوة آيات دون استحضار معانيها وربطها بواقع الإنسان والمجتمع، فإن ذلك يثير تساؤلًا مهمًا: هل بقي منبر الجمعة يؤدي دوره في بناء الوعي القرآني للأمة، أم تحول في بعض البيئات إلى خطاب وعظي محدود لا يلامس القضايا الكبرى التي تواجه المسلمين؟

إن أهمية هذا السؤال تأتي من أن القرآن لم ينزل ليكون منفصلًا عن واقع الناس، بل ليهديهم في قضاياهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية. ولذلك فإن تقليص مساحة التدبر والحوار حول آيات الله قد يؤدي — سواء بقصد أو بغير قصد — إلى إضعاف العلاقة الحية بين الأمة وكتابها، وتحويل القرآن من مصدر لصناعة الوعي إلى مجرد حضور رمزي في الشعائر.

وهنا يظهر السؤال المركزي:

هل أصبحت خطبة الجمعة تؤدي الوظيفة التي تشير إليها الآيات، وهي أن تكون اجتماعًا حول ذكر الله وكتاب الله، أم أنها تحولت في بعض البيئات إلى خطاب وعظي منفصل عن قضايا الأمة الكبرى؟

إن القرآن عندما يتحدث عن الإنسان لا يفصل بين العبادة والحياة؛ فهو يعالج قضايا المجتمع، ويضع المبادئ التي تهدي الأمة في أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك فإن غياب التدبر القرآني عن وعي المجتمع يؤدي إلى فقدان المرجعية التي تجمع الناس على رؤية مشتركة.

الانفصال عن القرآن وأثره في ضعف الأمة

تنطلق هذه المقالة من إشكالية مفادها أن تراجع مركزية القرآن في الخطاب العام لا يمثل مجرد تغير في أسلوب الوعظ، بل قد يكون جزءًا من تحولات أوسع أثرت في طريقة تعامل المسلمين مع كتابهم.

وأخطر ما يمكن أن يحدث لأمة تمتلك كتابًا يجمعها ويوجهها هو أن ينفصل القرآن عن دوره القيادي في حياة الناس، فيتحول من مرجعية تصنع الوعي وتوجه المواقف إلى نص يُتلى ويُحفظ، دون أن يكون حاضرًا في بناء القرارات ومعالجة قضايا الأمة.

فالقرآن لم يقدّم نفسه كتابًا للعبادات الفردية فقط، بل منهجًا شاملًا يضع مبادئ العدل، ورفض الظلم، وحفظ الكرامة الإنسانية، وإصلاح المجتمع، وإدارة الاختلاف، وبناء القوة على أساس الحق.

لكن الواقع المعاصر يكشف فجوة كبيرة بين هذا المبدأ القرآني وبين حالة الأمة؛ فقد شهدت المنطقة خلال العقود الأخيرة حروبًا وصراعات كبرى في فلسطين والعراق وأفغانستان وسوريا ولبنان، وصولًا إلى ما حدث في غزة من دمار واسع ومعاناة إنسانية، بينما بقي العالم الإسلامي في كثير من الأحيان عاجزًا عن تشكيل موقف موحد يتناسب مع حجم هذه الأحداث.

وهنا يبرز السؤال:

هل تكمن المشكلة في غياب القدرة، أم في غياب المرجعية التي تجمع هذه القدرة وتوجهها؟

فالقرآن يقول:

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ

[الأنفال: ٤٦]

ومن هذا المنطلق، تطرح المقالة إشكالية أن إضعاف حضور القرآن في وعي الأمة، وإبعاده عن موقع القيادة الفكرية، يؤدي إلى إضعاف قدرتها على بناء موقف موحد تجاه القضايا المصيرية.

وفي إطار هذه الفرضية، يمكن طرح سؤال يتعلق بموازين القوى الدولية: من هي الأطراف التي تستفيد من أمة متفرقة، تفتقد المرجعية المشتركة، وتنشغل بخلافاتها الداخلية؟

ومن وجهة النظر هذه، يمكن القول إن الولايات المتحدة وإسرائيل تُعدّان من أكثر الأطراف استفادة من ضعف الوحدة الإسلامية، بحكم ارتباطهما المباشر بالعديد من الصراعات والحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، وبحكم أن أي انقسام داخل العالم الإسلامي يقلل من قدرته على التأثير الجماعي في القضايا الإقليمية والدولية.

لكن جوهر القضية لا يتعلق فقط بقوة خارجية أو طرف سياسي، بل يتعلق بالسؤال الأعمق:

هل فقدت الأمة جزءًا من قوتها لأنها ابتعدت عن المرجعية التي أراد الله أن تجمعها؟

فالأمة التي يكون القرآن حاضرًا في وعيها لا تكتفي بتلاوته، بل تجعل منه ميزانًا للحكم على الأحداث، ومنهجًا في مواجهة الظلم، ومصدرًا لوحدة الموقف. أما حين يصبح القرآن حاضرًا في المصاحف وغائبًا عن صناعة الوعي، فإن الأمة تفقد عنصرًا أساسيًا من عناصر قوتها.

المسجد بين العبادة وبناء الوعي

عند النظر في القرآن نجد أن المسجد لم يُقدَّم باعتباره مكانًا لأداء الشعائر فقط، بل باعتباره مركزًا يجتمع فيه المؤمنون على ذكر الله وبناء العلاقة مع الوحي. فالقرآن يربط بين المساجد وذكر الله:

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ

[النور: ٣٦]

وهذا الذكر لا يقتصر على الترديد اللفظي، بل يشمل حضور رسالة الله في حياة الإنسان ووعيه. كما أن سياق القرآن في الحديث عن الرسول ﷺ يبين أن مهمته لم تكن مجرد إبلاغ النص، بل تلاوته وتعليمه وتزكية الناس به:

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ

[الجمعة: ٢]

ومن هذا المنطلق يمكن فهم اجتماع المسلمين في المسجد باعتباره مساحة لتلاوة الوحي وفهمه وربطه بحياة الناس، وليس مجرد اجتماع شكلي ينتهي بانتهاء الشعيرة. فهناك فرق بين تلاوة القرآن التي تعني قراءة آياته، وتدبر القرآن الذي يعني البحث في دلالاته ومقاصده، وتطبيق القرآن الذي يعني تحويل هدايته إلى سلوك ومواقف ونظم تحكم حياة الإنسان والمجتمع.

غير أن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه ليس فقط: هل غاب القرآن عن حياة الأمة؟ بل: هل المشكلة في غياب القرآن، أم في اختلاف المسلمين في فهمه وتطبيقه؟ فوجود النص وحده لا يكفي إذا اختلفت المناهج التي يُقرأ بها، لأن القرآن يدعو إلى التدبر والتفكر والرجوع إلى أصوله الكلية، ويحذر من التفرق والاختلاف الذي يبعد الناس عن مقاصد الهداية.

ولهذا فإن إعادة القرآن إلى مركز الحياة لا تعني مجرد زيادة تلاوته، بل تعني بناء منهج واعٍ لفهمه، بحيث ينتقل من كونه نصًا محفوظًا إلى مصدر للهداية وصناعة الوعي وإدارة الاختلاف.

الخاتمة

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للأمة ليس أن يختفي القرآن من المصاحف، بل أن يبقى محفوظًا في السطور بينما يغيب عن قيادة العقول.

فالقرآن لا يريد أمة تقرأه فقط، بل أمة تتدبره، وتحتكم إليه، وتبني واقعها على هديه.

ومن هنا فإن إعادة القرآن إلى موقعه الطبيعي ليست مجرد قضية دينية، بل هي مشروع لإعادة بناء الوعي والوحدة؛ أن يصبح القرآن قائدًا للعقل المسلم، ومحورًا لاجتماع الجمعة، وميزانًا تُعرض عليه الأفكار والأحداث.

ولا يعني ذلك أن ضعف الأمة يعود إلى عامل واحد فقط، فالأمم تبنى بمجموعة من السنن التي ذكرها القرآن؛ من العلم والعمل والعدل والقوة والأخذ بالأسباب، إلا أن المرجعية الفكرية التي توجه هذه العناصر تبقى من أهم أسباب النهوض.

حتى يعود معنى قوله تعالى:

﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

واقعًا تعيشه الأمة، لا مجرد آية تُتلى كل أسبوع.

رفيق القراءة