عيسى عليه السلام بين الإنجيل والقرآن: رسالة التوحيد وفهم المسيحيين اليوم

قراءة حرفية في نصوص الإنجيل ومقارنتها بالخطاب القرآني، ودور بولس في تحوّل العقيدة.

عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 8 قسماً

المقدمة

تعتبر شخصية عيسى عليه السلام مركزية في كل من المسيحية والإسلام، لكن هناك اختلافًا جوهريًا في فهم هويته. فبينما ترى المسيحية أنه ابن الله والرب، يؤكد الإسلام أنه رسول من الله وداعٍ للتوحيد. ومن خلال دراسة نصوص الإنجيل حرفيًا والقرآن الكريم، يظهر أن رسالته الأصلية كانت عبادة الله وحده وطاعته، وأن بعض المعتقدات حول ألوهيته جاءت بعده.

أولًا: ما يقوله الإنجيل حرفيًا

يوحنا ١٦: ١٢–١٥

كثيرًا ما أود أن أحدثكم بالكثير من الأمور، ولكنكم الآن لا تستطيعون أن تتحملوا. أما متى جاء هو، روح الحق، فسيهديكم إلى كل الحق؛ لأنه لن يتكلم من عند نفسه، بل كل ما سيسمعه سيخبركم به، وسيخبركم بما هو آت.

فعيسى يشير إلى أن التلاميذ لم يكونوا قادرين على استيعاب الحق بالكامل في ذلك الوقت، ويوضح أن الآتي سيهدي الناس إلى الحق الكامل، وأن المعيار في فهم الحق هو ما يأتي من الله وليس من البشر أو من اسم النبي وحده.

متّى ٧: ٢٢–٢٣

كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا؟ وباسمك أخرجنا شياطين؟ وباسمك صنعنا قوى كثيرة؟ فأصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم.

فهذه الآية تتحدث عن أشخاص يدّعون التدين باسم عيسى ويزعمون أنهم قاموا بأعمال عظيمة باسمه، فيرفضهم لأن الأعمال ليست على أساس إرادة الله. والرسالة الأساسية: الاكتفاء باسم النبي أو المعجزات الظاهرية لا يكفي، بل المعيار الحقيقي هو الطاعة لله وحده.

ثانيًا: ما يقوله القرآن الكريم

﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ

[الصف: ٦]

فالقرآن يربط عيسى برسالة الله المستمرة ويشير إلى قدوم محمد ﷺ بعده لإكمال الرسالة.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ

[النساء: ٤٨]

أي أن رفع أي إنسان، بما في ذلك عيسى، إلى مقام الإلهية يعتبر شركًا، والغفران مقصور على من يعبد الله وحده.

ثالثًا: التوافق بين الإنجيل حرفيًا والقرآن

في النصوص الإنجيلية يقول عيسى: «إني لم أعرفكم قط… يا فاعلي الإثم»، ويقابله في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، وهو ما يدل على أن ذكر اسم عيسى أو القيام بأعمال باسمه وحده لا يكفي، بل الطاعة لله وحده هي المعيار الحقيقي للحق والخلاص.

كما يشير عيسى إلى أن الآتي «سيهديكم إلى كل الحق»، ويقابله في القرآن ﴿مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي﴾، مما يوضح أن الرسالة الإلهية مستمرة عبر الرسل.

وقوله «عندي كلام كثير أريد أن أقوله لكم لكن لا تستطيعون تحمله الآن» يوضح أن هناك تعاليم إضافية لم يأت وقت نشرها. وفي قراءة إسلامية، يُفهم هذا على أنه إشارة إلى استمرار الرسالة عبر رسول آخر بعده، ليهدي الناس إلى الحق الكامل. أي أن ما يراه المسيحيون هداية روحية هو — وفق النصوص الإسلامية — تشريع كامل جديد وإتمام للرسالة التي بدأها عيسى.

رابعًا: الاختلاف مع فهم المسيحيين اليوم

المسيحيون يؤمنون بالتثليث وألوهية المسيح. لكن قراءة حرفية لنصوص الإنجيل تظهر أن عيسى ركّز على طاعة الله وحده، ورفض من يدّعون الأعمال باسمه دون الالتزام بالحق، وأشار إلى أن الآتي سيكمل الفهم الحقيقي للحق.

فالاختلاف جوهري في فهم هويته: الإنجيل حرفيًا والقرآن يقدمانه رسولًا وعبدًا لله، والمسيحية التقليدية تقدمه ابنًا لله وربًّا.

خامسًا: بولس وتحوّل الرسالة

بعد رفع عيسى عليه السلام، برز بولس الرسول (شاول الطرسوسي) كشخصية محورية في تحويل المسيحية من دين يهودي محدود إلى رسالة عالمية. ركّز بولس أولًا على العقيدة والإيمان بالمسيح كوسيلة للخلاص بدل الالتزام الصارم بالطقوس والشريعة، ما فصل المسيحية عن الإطار التقليدي لليهودية. ثم رفع من مكانة عيسى إلى المسيح، ابن الله، والفادي، ما ساعد على بروز عقيدة التثليث لاحقًا، وغيّر فهم الناس لعيسى من رسول إلى مخلّص كوني.

كما وسّع بولس رسالته لتشمل الأمم غير اليهود، ونقل الفكر اليهودي المتعلق بالوصايا والطقوس إلى صياغة عقائدية قابلة للانتشار بين ثقافات مختلفة، وجعل الإيمان بالمسيح هو معيار الخلاص بدل الشريعة وحدها.

كان بولس العامل الأساسي في تحويل رسالة عيسى الأصلية من توحيد الله وطاعته إلى تركيز حول شخصية المسيح والإيمان به وحده.

وهذه الظاهرة شبيهة تاريخيًا بما لاحظه المسلمون في محاولات بعض اليهود في صدر الإسلام للتأثير على الفهم الديني الجديد، مثل كعب الأحبار، لكن الفارق أن تأثير بولس أصبح أساس عقيدة المسيحية اليوم، بينما في الإسلام جاء التصحيح عبر القرآن الذي أكد التوحيد الخالص.

لماذا لا يعرف الناس من وراء التحريف؟

**التأثير المبكر: ** التحريف حدث بعد وفاة الأنبياء أو في القرون الأولى، فأصبح جزءًا من النسق الديني. **غياب الشفافية: ** المؤسسات الدينية حافظت على النسق السائد دون الكشف عن المسؤولين. **التحوير التدريجي: ** التحريف تم تدريجيًا عبر إعادة صياغة النصوص وتفسيرات بشرية. **أدوات التثبت المحدودة: ** الناس يعتمدون على التراث المتوارث دون نقد دقيق. **الفكر الجمعي: ** التحريف يظهر طبيعيًا للناس ويُصعب تمييزه عن الرسالة الأصلية.

الخلاصة

كان دخول بولس نقطة محورية في تحويل فهم الناس لعيسى، من رسول وعبد لله إلى شخصية مركزية في عقيدة تشمل الألوهية والفداء والتثليث. والفارق الجوهري أن تأثير بولس أصبح أساس العقيدة نفسها، بينما جاءت الرسالة القرآنية لتصحيح هذه الإضافات، مؤكدة توحيد الله الخالص.

ورفض بعض اليهود اتباع عيسى عليه السلام والنبي محمد ﷺ لم يأتِ عن فراغ، بل كان نتيجة تمسكهم بتصوراتهم القديمة عن المخلص، وحفاظهم على السلطة الدينية، وانتظارهم مصالح دنيوية. والتاريخ يوضح أن التمسك بالنصوص الأصلية للرسالات الإلهية هو السبيل لفهم الحق، بعيدًا عن أي إضافات بشرية.

رفيق القراءة