المخلّص المنتظر

من الأمنية إلى صناعة الإنسان

المخلّص المنتظر
لغة المادةالأصل: العربية
واتسابتلغرام
عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 22 قسماً

تمهيد: هل المخلّص فكرة أم منظومة؟

من هو المخلّص؟

قد يبدو السؤال في ظاهره سؤالًا دينيًا بسيطًا، لكن السؤال الأعمق ليس: من هو المخلّص؟

بل: ماذا يحدث للإنسان عندما يؤمن أن هناك شخصًا سيأتي في المستقبل ليحقق ما عجز هو عن تحقيقه؟ ماذا يحدث للخلافة؟ ماذا يحدث للسعي؟ ماذا يحدث للعمران؟ وماذا يحدث لمسؤولية الإنسان عن تغيير واقعه؟

من هنا تبدأ هذه القراءة.

أنا لا أتعامل مع فكرة المخلّص هنا باعتبارها مجرد اعتقاد منفصل، بل أضعها داخل سياق أوسع في القرآن: سياق الإغواء، والأمنية، والوعد، وتغيير وظيفة الإنسان.

والفرضية التي أطرحها هنا هي أن الخديعة قد لا تكون في وجود فكرة المخلّص وحدها، وإنما في تحويل هذه الفكرة إلى منظومة تصنع إنسانًا منتظرًا بدل الإنسان الخليفة.

إبليس لم يخفِ مشروعه

القرآن لا يعرض إبليس باعتباره مجرد وسوسة عابرة. إبليس أعلن مشروعه.

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ

[الأعراف: ١٦–١٧]

ثم قال:

﴿ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا

[الإسراء: ٦٢]

ثم كشف جزءًا آخر من أدواته:

﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ

[النساء: ١١٩]

لاحظ تسلسل الكلمات: أُضلّهم. أُمَنّيهم. آمرهم. يغيّرون.

الإغواء لا يعتمد دائمًا على إجبار الإنسان. قد يبدأ بأمنية.

آدم والأمنية الأولى

عندما أراد إبليس إغواء آدم، لم يقل له: اترك ربك. بل جاءه من الباب الذي يريده الإنسان.

﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ

[طه: ١٢٠]

وقال:

﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ

[الأعراف: ٢٠]

الكلمة اللافتة هنا: الخلود. أمنية الإنسان في البقاء.

ثم جاءت النتيجة:

﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ

[البقرة: ٣٦]
من هنا يمكن أن نضع فرضية: الأمنية قد تكون أخطر من الأمر المباشر؛ لأن الإنسان قد يتحرك بنفسه نحو ما يتصوره خلاصًا له.

النصيب المفروض

ثم تأتي العبارة الأكثر إثارة للتدبر:

﴿ وَلَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا

[النساء: ١١٨]

لم يقل إبليس: سأضل الجميع. بل قال: نصيبًا. أي أن هناك جزءًا من البشر يمكن أن يدخل في مشروعه بصورة مخصوصة.

ومن منظوري، فإن هذا يفتح سؤالًا مهمًا: هل يمكن أن يكون من هذا النصيب أناس لا يكتفون بتلقي الفكرة، بل يحملونها وينقلونها ويعيدون تشكيل وعي الآخرين من خلالها؟

هنا تنتقل المسألة من فرد يُغوى إلى فكرة تُنتج أتباعًا. ومن شخص يصدق الأمنية إلى شخص يجعل الآخرين يصدقونها.

من الأمنية إلى المخلّص

إذا كانت الأمنية أداة من أدوات الإغواء، فإن السؤال يصبح: كيف يمكن لأمنية إنسانية مثل الخلاص أن تتحول إلى منظومة كاملة؟

الإنسان يرى الظلم. يرى الفشل. يرى العجز. يرى فساد الواقع. ثم تظهر له الفكرة: لا تقلق، سيأتي المخلّص.

أمنية ← تصديق ← اعتقاد ← فكرة ← منظومة ← عقيدة ← انتظار.

وفي كل مرحلة يمكن أن تزداد المسافة بين الإنسان ومسؤوليته.

من المخلّص إلى الإمام

عندما يتحول المخلّص إلى شخصية دينية مركزية، لا تبقى المسألة مجرد انتظار للمستقبل. يصبح للمخلّص مقام. ثم يصبح له أتباع. ثم تظهر فكرة القيادة المرتبطة به.

ثم تنتقل المسألة من المخلّص إلى الإمام، ثم من الإمام الحاضر إلى الإمام الغائب، ثم من الإمام الغائب إلى النائب عنه، ثم من النائب إلى السلطة بالنيابة.

المخلّص → المنتظر → الإمام → الإمام الغائب → النائب → السلطة بالنيابة → ولاية الفقيه.

وهنا لا تعود القضية مجرد عقيدة أخروية. لقد أصبحت بنية سلطة.

المهدي: حين يصبح المستقبل حاضرًا في الوعي

فكرة المهدي، في هذا السياق، لا تُقرأ فقط باعتبارها حديثًا عن شخصية ستظهر في المستقبل، بل يمكن النظر إلى أثرها في تشكيل الإنسان الذي يعيش في الحاضر.

إذا كان هناك مخلّص سيظهر يومًا ليقيم العدل، ويُنهي الظلم، ويعيد الحق، ويحقق ما عجز الناس عن تحقيقه، فإن الإنسان قد يبدأ تدريجيًا في نقل مركز الفعل من: أنا، إلى: هو. ومن: اليوم، إلى: المستقبل. ومن: العمل، إلى: الانتظار.

وهنا يحدث التحول الأخطر: الخليفة يتحول إلى منتظر.

من الغيبة إلى النيابة

إذا كان المخلّص غائبًا، فإن السؤال الطبيعي يصبح: من يتحدث باسمه؟ من يفسر إرادته؟ من يحدد ما يريد؟ من يملك حق تمثيله؟

ومن هنا تظهر فكرة النائب. فإذا كان الأصل غائبًا، يصبح للنائب مجال واسع؛ لأن الإنسان لا يتعامل مع الغائب مباشرة، بل يتعامل مع من يقول: أنا أعرف إرادته.

وهنا تنتقل السلطة من الشخص الغائب إلى الشخص الحاضر الذي يتحدث باسمه.

الغائب → النائب → التفسير → الطاعة → السلطة.

وبذلك تتحول فكرة الانتظار إلى مؤسسة.

ولاية الفقيه: حين تتحول النيابة إلى حكم

في هذه المرحلة تصبح الفكرة أكثر اتساعًا. لم يعد الحديث عن انتظار مخلّص فقط، بل عن سلطة في زمن غيابه.

وهنا تظهر ولاية الفقيه بوصفها إحدى الصور التي يمكن أن تبلغ إليها هذه السلسلة: غيبة → نيابة → ولاية → سلطة.

فتصبح السلطة مرتبطة بفكرة أن هناك صاحب أمر غائبًا، وأن هناك من يمثل الولاية في زمن غيابه. وبذلك لا يعود الغائب غائبًا بالكامل. يصبح حاضرًا من خلال المؤسسة التي تتحدث باسمه.

حين يغيب الأصل، يمكن أن تتضخم سلطة من ينوب عنه.

النصيب المفروض: من يحمل الفكرة؟

هنا تعود بنا الآية إلى بدايتها:

﴿ وَلَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا

[النساء: ١١٨]

من منظوري، لا أفهم «النصيب المفروض» هنا باعتباره مجرد مجموعة من الناس الذين يضلون أنفسهم، بل أطرح احتمالًا آخر: أن يكون هناك من يحمل الفكرة وينقلها ويعيد إنتاجها داخل المجتمع.

وهذا لا يعني أن كل فرد ينتمي إلى جماعة أو دين هو جزء من هذا النصيب. فالحديث هنا عن فكرة تاريخية وفكرية، لا عن عرق أو دم أو شعب. الفكرة هي محل التدبر.

كيف تنتقل الأمنية من عقل إلى عقل؟ كيف تصبح رواية؟ كيف تصبح عقيدة؟ كيف تصبح مؤسسة؟ كيف تصبح سلطة؟ وكيف يمكن أن تتوارثها أجيال كاملة حتى تصبح بالنسبة إليها حقيقة لا تحتاج إلى سؤال؟

من الفكر اليهودي إلى المسيحية ثم إلى الإسلام

من هذه الزاوية، يمكن أن نقرأ تاريخ فكرة المخلّص باعتباره مسارًا فكريًا طويلًا.

ظهرت تصورات المخلّص في الفكر اليهودي التاريخي بأشكال مختلفة. ثم أعادت المسيحية تشكيل فكرة الخلاص والمسيح ضمن منظومتها الخاصة. ثم ظهرت داخل التاريخ الإسلامي تصورات متعددة للمهدوية والإمامة والانتظار، وتطورت داخل مدارس واتجاهات مختلفة.

وهنا لا أبحث عن تطابق بين هذه المنظومات، بل عن الفكرة التي يمكن أن تنتقل وتعيد تشكيل نفسها: الخلاص بواسطة شخص منتظر. ثم انتظار الشخص. ثم الارتباط به. ثم الحديث باسمه. ثم إنتاج سلطة مرتبطة به.

ومن هنا يصبح السؤال أكبر من سؤال المذهب. إنه سؤال عن كيفية صناعة الوعي البشري.

تغيير خلق الله: هل التغيير في الإنسان فقط؟

قال إبليس:

﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ

[النساء: ١١٩]

وقال القرآن:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ

[الروم: ٣٠]

وهنا أطرح فرضية أوسع. ماذا لو لم يكن «خلق الله» محصورًا في الجسد؟ ماذا لو كان خلق الله يشمل الوظيفة والفطرة والدور الذي خلق الإنسان لأدائه؟

خلق الله الإنسان، وأعطاه فطرة، وجعله خليفة، وأمره بالسعي، وأمره بالعمل.

﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ

[النجم: ٣٩]

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ

[التوبة: ١٠٥]
فإذا تحولت طبيعة الإنسان من فاعل إلى منتظر، فهل يمكن أن يكون التغيير قد تجاوز الجسد إلى وظيفة الإنسان نفسها؟ هذه فرضية تستحق التدبر.

الإنسان الذي خلق ليعمر

﴿ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا

[هود: ٦١]

الإنسان لم يُخلق ليجلس منتظرًا. خلق ليعمر.

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

[البقرة: ٣٠]

والخليفة ليس متفرجًا على الأرض.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ

[الرعد: ١١]

إذن التغيير يبدأ من الإنسان. والسعي منه. والعمل منه. والعمران منه.

لكن ماذا يحدث إذا قيل له: انتظر. سيأتي من يغيّر. سيأتي من يحقق العدل. سيأتي من يعيد الحق. سيأتي من ينهي الفساد. سيأتي من يغيّر الواقع.

هنا يمكن أن تبدأ الخديعة الأكبر.

من الخليفة إلى المنتظر

الإنسان الذي يقول: سأعمل، يختلف عن الإنسان الذي يقول: سأنتظر.

الأول يرى نفسه جزءًا من صناعة المستقبل، والثاني يرى المستقبل شيئًا سيأتي إليه. الأول يتحمل المسؤولية، والثاني يمكن أن ينقل المسؤولية إلى شخص آخر. الأول يسأل: ماذا يجب أن أفعل؟ والثاني يسأل: متى سيأتي؟

وهنا تتحول العقيدة من فكرة عن المستقبل إلى طريقة لإدارة الحاضر.

المجتمع الذي يمكن تشكيله

إذا استطاع أي فكر أن يقنع الإنسان بأن الحل الحقيقي موجود خارج إرادته، وأن التغيير الحقيقي مرتبط بشخص آخر، فإن المجتمع يصبح أكثر قابلية للتشكيل؛ لأن الإنسان الذي لا يرى نفسه صانعًا لمستقبله، يبحث عمن يصنعه له.

وهنا يمكن أن تتشكل منظومة كاملة: شخص ينتظر. ثم جماعة تنتظر. ثم مجتمع ينتظر. ثم سلطة تقول إنها تعرف ما ينتظره الجميع. ثم يصبح الانتظار نفسه جزءًا من النظام.

وهكذا لا يعود المخلّص مجرد شخص ينتظر ظهوره، بل يصبح أداة لإعادة تشكيل المجتمع.

أخطر ما في الفكرة

المشكلة ليست في الأمل، وليست في أن الإنسان يتمنى العدل، وليست في أن الإنسان يريد الخلاص من الظلم.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الأمنية إلى بديل عن العمل. عندما يصبح المستقبل أهم من الحاضر. وعندما يصبح الغائب أقوى من الحاضر. وعندما يصبح الإنسان تابعًا لمن يتحدث باسم الغائب.

الأمنية إلى عقيدة. والعقيدة إلى انتظار. والانتظار إلى طاعة. والطاعة إلى سلطة. والسلطة إلى مجتمع كامل يتحرك وفق الفكرة.

ماذا يريد إبليس من الإنسان؟

إذا عدنا إلى كلمات إبليس، نجد أنها تكشف أدواته:

﴿ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ

[النساء: ١١٩]

الإضلال. والتمنية.

ثم:

﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ

[النساء: ١١٩]

الأمر.

ثم:

﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ

[النساء: ١١٩]

التغيير.

أمنية → إيمان بها → تشكيل الوعي → طاعة → تغيير الإنسان ووظيفته.

وهنا تصبح عبارة:

﴿ وَلَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا

[النساء: ١١٨]

أكثر إثارة للتدبر. فربما لا يكون المطلوب فقط أن يُغوى الإنسان، بل أن يصبح الإنسان نفسه وسيلة لإغواء غيره.

المخلّص الذي يصنع المنتظر

وهنا تصل الفرضية إلى قلبها. ربما لا تكمن الخديعة الكبرى في صناعة شخصية اسمها «المخلّص»، بل في صناعة الإنسان الذي ينتظر المخلّص؛ لأن صناعة المخلّص تنتهي عند ظهور الشخصية، أما صناعة المنتظر فتبني مجتمعًا كاملًا حول الفكرة.

المخلّص شخص. لكن المنتظرون مجتمع. والمجتمع يمكن أن يُعاد تشكيل وعيه.

ومن هنا تصبح الفكرة أكثر خطورة من الشخص نفسه.

من الخلافة إلى الاتكالية

القرآن يضع الإنسان أمام مسؤوليته:

﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ

[النجم: ٣٩]

ويقول:

﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا

[مريم: ٩٥]

ففي النهاية لا يأتي الإنسان يوم القيامة بسلطة جماعته، ولا بإمام ينتظر عنه، ولا بنائب يتحمل عنه، ولا بمخلّص يعمل بدلًا منه. يأتي فردًا.

وهنا تتقابل صورتان: الإنسان الخليفة، والإنسان المنتظر. الأول يحمل مسؤوليته، والثاني يمكن أن يبحث عمن يحملها عنه.

الخديعة الأكبر

إذا كانت فرضية «النصيب المفروض» صحيحة في هذا الاتجاه، فإن الخديعة ليست أن يُقال للإنسان: هناك مخلّص سيأتي.

الخديعة الأعمق هي أن يُعاد تشكيل وعيه حتى يقتنع بأن مهمته الأساسية هي الانتظار. ثم يصبح الانتظار فضيلة. والسؤال عن موعد المخلّص أهم من السؤال عن العمل. والبحث عن النائب أهم من البحث عن المسؤولية. والطاعة لمن يتحدث باسم الغائب أهم من ممارسة الإنسان لدوره الذي حمّله الله إياه.

عندها تكون النتيجة: الخليفة يتحول إلى منتظر. والمنتظر يتحول إلى تابع. والتابع يحتاج إلى من يقوده. ومن يقوده يحتاج إلى شرعية. والشرعية تُربط بالمخلّص. فتكتمل الدائرة.

السؤال الذي يبقى

هل كانت فكرة المخلّص مجرد عقيدة في المستقبل؟ أم يمكن أن تكون قد تحولت، عبر التاريخ، إلى وسيلة لصناعة الحاضر؟

هل المخلّص هو الهدف؟ أم أن صناعة الإنسان المنتظر هي الهدف الأعمق؟

هل «النصيب المفروض» مجرد أفراد يُغوون؟ أم أن من بينهم من يحمل الأمنية، وينقلها، ويحوّلها إلى فكرة، ثم إلى عقيدة، ثم إلى منظومة؟

وهل يمكن أن تكون هذه إحدى صور الإغواء التي أعلن عنها إبليس بنفسه:

﴿ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ

[النساء: ١١٩]

ثم:

﴿ وَلَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا

[النساء: ١١٨]

ثم يتحول الإنسان من خليفة إلى منتظر، ومن فاعل إلى تابع، ومن صانع للتاريخ إلى منتظر للتاريخ.

وربما هنا تكمن الخديعة الأكبر: ليست أخطر الأمنية أن تجعل الإنسان يحلم بما سيأتي، بل أن تجعله يتوقف عن فعل ما يجب أن يفعله اليوم.

لأن الإنسان الذي ينتظر من يأتي لينقذ العالم، قد ينسى أن القرآن حمّله مسؤولية أن يعيش فيه، ويعمل فيه، ويعمره، ويسعى فيه.

وهنا يبقى السؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه:

منذ متى تحوّل الإنسان من خليفة ينتظر من الله هدايته، إلى منتظر ينتظر إنسانًا ليغيّر له العالم؟

رفيق القراءة