حين نهجر القرآن نصنع أعداء لم يصنعهم القرآن

ماذا يقول القرآن عن عداوة اليهود ومودة الذين قالوا إنا نصارى؟

حين نهجر القرآن نصنع أعداء لم يصنعهم القرآن
لغة المادةالأصل: العربية
واتسابتلغرام
عبدالله جمعة المضاحكة

المقال كاملاً · 19 قسماً

هناك خطأ يتكرر في الخطاب العربي والإسلامي المعاصر، خصوصًا عند الحديث عن إسرائيل والغرب.

فبسبب الدعم الغربي لإسرائيل، وبسبب مواقف حكومات غربية مؤيدة لها، وبسبب ما ارتبط بذلك من حروب وسياسات استعمارية وتدخلات سياسية، يذهب بعض المثقفين والمفكرين العرب إلى وضع اليهود والنصارى والغرب المسيحي في جبهة واحدة، وكأنهم جميعًا يمثلون موقفًا واحدًا من المسلمين.

وهنا يجب أن نتوقف.

ليس للدفاع عن إسرائيل.

وليس لتبرئة اليهود من الجرائم التي ارتكبها من يتحمل مسؤوليتها.

وليس لتبرير الاحتلال أو القتل أو التهجير أو الاستيطان.

وليس للدفاع عن السياسات الغربية المؤيدة لإسرائيل.

بل لسبب واحد:

لأن المسلم ملزم بأن يضع القرآن فوق غضبه السياسي، وفوق الرواية التاريخية، وفوق الموروث، وفوق الواقع الذي يراه بعينيه.

فإذا كان القرآن قد قال شيئًا، فلا يجوز لنا أن نستبدله بما نريد أن يقوله.

الآية التي لا يجوز تجاوزها

يقول تعالى:

﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

[المائدة: ٨٢]

هذه ليست آية هامشية.

إنها تضع أمام المؤمن مقارنة قرآنية واضحة:

اليهود والذين أشركوا في جهة أشد عداوة.

والذين قالوا إنا نصارى في جهة أقرب مودة.

فكيف يستطيع المسلم بعد ذلك أن يضع اليهود والنصارى في خانة واحدة من العداوة؟

ومن أين جاء هذا التعميم؟

وأين وضع هذه الآية من حسابه؟

القرآن لم يقل: اليهود والنصارى سواء

لاحظوا دقة النص.

لم يقل:

﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ﴾.

بل قال:

﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.

ثم قال:

﴿أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ﴾.

فأين جاء التطابق الذي نراه اليوم في بعض الخطابات؟

كيف أصبح اليهود والنصارى جبهة واحدة في القرآن؟

لم يصبحوا كذلك.

هذه ليست قراءة للقرآن.

هذه قراءة سياسية أُسقطت على القرآن.

السياسة لا تغيّر كلمات الله

قد يقول قائل:

لكن العالم تغير.

اليوم هناك دول غربية تدعم إسرائيل.

اليوم هناك حكومات غربية تصوت إلى جانبها.

اليوم هناك إعلام غربي منحاز.

اليوم هناك تاريخ استعماري.

كل ذلك يمكن بحثه.

بل يجب بحثه.

لكن هل تغيرت كلمات الله لأن السياسة تغيرت؟

الله يقول:

﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾.

ويقول:

﴿وَلَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾.

ويقول:

﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.

إذا كان الله، عالم الغيب والشهادة، قد وضع لنا سنة وميزانًا، فليس من حقنا أن نلغي هذا الميزان لأننا رأينا واقعًا سياسيًا مختلفًا.

الواقع يُفسَّر في ضوء القرآن، وليس القرآن الذي يُعاد تشكيله وفق الواقع.

إسرائيل لا ينبغي أن تكون معيارًا للحكم على النصارى

وهنا يقع الخطأ الأكبر.

يرى بعض المثقفين دعم بعض الحكومات الغربية لإسرائيل، فيقول:

إذن الغرب المسيحي عدو للمسلمين.

ثم: إذن النصارى واليهود في موقف واحد.

ثم: إذن اليهود والنصارى أعداء للمسلمين.

ثم يتحول الأمر إلى عبارات عامة من قبيل:

الله يلعن اليهود والنصارى.

وبهذا يكون المسلم قد قطع الطريق على الآية القرآنية بنفسه.

فالقرآن يقول:

﴿أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً﴾.

فكيف نحولها إلى:

أشدهم عداوة؟

كيف نضع من فرّق القرآن بينهم في خانة واحدة؟

لا تجعل الغضب من إسرائيل يلغي القرآن

القضية الفلسطينية قضية ظلم واحتلال وقتل وتهجير وحقوق وأرض وشعب.

ويمكن للمسلم أن يكون في أقصى درجات الرفض لإسرائيل وسياساتها.

لكن لا ينبغي أن يسمح لهذا الغضب بأن يعيد كتابة القرآن.

إذا كان هناك مسؤول إسرائيلي ارتكب جريمة، فالمسؤولية عليه.

إذا كانت حكومة إسرائيلية اتخذت قرارًا، فالمسؤولية على أصحاب القرار ومن شارك فيه.

إذا كان جيش ارتكب جريمة، فالمسؤولية على من ارتكبها وأمر بها وشارك فيها بحسب الوقائع.

لكن الانتقال من ذلك إلى:

اليهود والنصارى والغرب جميعًا أعداء للمؤمنين

ليس استنتاجًا قرآنيًا.

إنه تعميم.

والقرآن يشرح سبب المودة

لم يترك القرآن الأمر بلا تفسير.

قال: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.

ثم يقول: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾.

ثم: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.

إذن القرآن لا يكتفي بأن يقول:

أقربهم مودة.

بل يقدم صورة لإنسان يسمع الحق فيعرفه ويتأثر به.

فهل يجوز لنا أن نمحو هذا كله من أجل موقف سياسي معاصر؟

القرآن لا يقدم حكمًا زمنيًا عابرًا

وهنا نصل إلى نقطة أعمق.

إذا كان الله عالم الغيب والشهادة، فإن إخباره لنا عن سنن الإنسان ليس خبرًا صحفيًا مرتبطًا بظرف انتهى.

الله يعرف الإنسان.

يعرف كيف يفكر.

يعرف كيف يُغوى.

يعرف كيف يُضل.

يعرف كيف تتحول الخلافات إلى صراعات.

ويعرف كيف يمكن أن تُستغل نقاط الضعف البشرية.

ولهذا فإن دراسة القرآن ليست دراسة للماضي فقط.

إنها دراسة لسنن الإنسان.

من إبليس إلى السامري

في بحثنا السابق حول الغواية والإضلال ظهر نموذج مهم.

إبليس أعلن:

﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.

ثم قال:

﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾.

ثم كشف القرآن أن هناك شياطين من الإنس والجن:

﴿شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.

ثم يقدم لنا السامري نموذجًا واضحًا للإضلال الجماعي:

﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.

فالسامري لم يضل نفسه فقط.

أضل قومًا.

وهذه نقطة مهمة.

الإضلال يمكن أن ينتقل من الفرد إلى الجماعة.

ومن الفكرة إلى الجماعة.

ومن الجماعة إلى الصراع.

هل «فرّق تسد» إحدى أدوات الإضلال؟

هنا لا بد من التمييز بين النص القرآني والفرضية.

القرآن يكشف لنا أن إبليس يسعى إلى إضلال الإنسان، وأن شياطين الإنس والجن يتعاونون في زخرف القول، وأن الإنسان يمكن أن يضل جماعة.

ومن هنا يمكن طرح فرضية:

إذا أراد طرف ما إضعاف قوة بشرية كبيرة، فهل يحتاج إلى مواجهتها مباشرة؟

أم يمكنه أن يعمل على تفكيكها من الداخل؟

هل يمكن أن يجعل المسلمين يرون النصارى أعداء طبيعيين؟

ثم يجعل النصارى يرون المسلمين أعداء طبيعيين؟

ثم يزداد الخوف.

ثم الكراهية.

ثم الصراع.

ثم ينشغل مليارات البشر ببعضهم، بينما يختفي صاحب المصلحة الحقيقية خلف الصراع؟

هذه ليست حقيقة نعلنها بلا دليل.

إنها فرضية يجب أن تختبر بالقرآن والواقع والقرائن.

لكنها فرضية تستحق أن تُبحث.

مليارات البشر يمكن أن يتحولوا إلى خصوم

المسلمون اليوم أكثر من ملياري إنسان.

والمسيحيون أكثر من ملياري إنسان.

فإذا نجح الخطاب السياسي أو الديني في تحويل هذه الكتلة البشرية الهائلة إلى خصوم دائمين، فإن الخاسر ليس طرفًا واحدًا.

الخاسر هو الطرفان.

وهنا يصبح السؤال:

من المستفيد من تحويل الاختلاف الديني إلى صراع شامل؟

ومن المستفيد من إقناع المسلم بأن كل مسيحي عدوه؟

ومن المستفيد من إقناع المسيحي بأن كل مسلم عدوه؟

ومن المستفيد عندما يتحول العالم إلى معسكرات دينية متصارعة؟

وهنا يجب أن يراجع المسلم موقفه

المسلم لا يملك أن يقول:

أنا غاضب، ولذلك سأترك القرآن.

ولا يملك أن يقول:

الواقع السياسي تغير، ولذلك سأغير الحكم القرآني.

ولا يملك أن يقول:

بعض الحكومات الغربية دعمت إسرائيل، ولذلك سأضع مليارات المسيحيين جميعًا في خانة واحدة.

بل عليه أن يعود إلى القرآن.

حتى لو كانت النتيجة غير مريحة.

حتى لو خالفت ما ورثه.

حتى لو خالفت ما يقوله بعض المشايخ.

حتى لو خالفت الخطاب السياسي المنتشر.

لأن القرآن هو الحكم.

قد يقول القرآن ما لا نريد سماعه

وهذه هي أصعب لحظة في التدبر.

أن تقرأ القرآن وأنت مستعد لأن يصححك.

لا أن تقرأه وأنت تبحث عن آية تؤيدك.

إذا قال القرآن:

﴿ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً

[]

فعليك أن تقف.

وإذا قال:

﴿ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً

[]

فعليك أن تقف.

وإذا ميز بين جماعتين، فلا يجوز أن ندمجهما.

وإذا صحح موقفنا، فعلينا أن نقبل التصحيح.

فالقرآن ليس سلاحًا نوجهه إلى الآخرين فقط؛ القرآن ميزان يوضع أمامنا نحن أيضًا.

وماذا عن الغرب؟

يمكننا أن ننتقد الغرب.

بل يجب أن ننتقد أي حكومة غربية عندما تتخذ موقفًا ظالمًا.

يمكننا أن ندرس الاستعمار.

ويمكننا أن ندرس الحروب.

ويمكننا أن ندرس دعم إسرائيل.

ويمكننا أن ندرس اللوبيات وجماعات الضغط والإعلام والتمويل والعلاقات السياسية.

لكن يجب أن نسأل دائمًا:

من فعل؟

من قرر؟

من موّل؟

من ضغط؟

من استفاد؟

من صوّت؟

بدل أن نقول:

الغرب فعل.

لأن «الغرب» ليس شخصًا واحدًا.

وهذه الدقة لا تضعف موقفنا.

بل تجعله أقوى.

وماذا عن اللاجئين العرب في الغرب؟

وهنا تظهر مفارقة لا ينبغي تجاهلها.

هناك فلسطينيون وسوريون وعرب ومسلمون وجدوا في دول غربية ملجأً وأمانًا وتعليمًا وعلاجًا وفرصة لحياة جديدة، في الوقت الذي لم تستطع فيه دول عربية وإسلامية كثيرة استقبالهم أو حمايتهم بالمستوى نفسه.

هذه الحقيقة لا تبرئ الغرب من سياساته.

ولا تبرئ إسرائيل من جرائمها.

ولا تلغي التاريخ الاستعماري.

لكنها تكشف خطأ عبارة:

الغرب كله عدو لنا.

لأن الإنسان الذي فتح بيته للاجئ ليس هو بالضرورة صاحب القرار السياسي الذي دعم الحرب.

والطبيب الذي عالج اللاجئ ليس هو المسؤول عن قرار حكومته.

والصحفي الذي كشف الجريمة ليس هو الحكومة التي أخفتها.

والمواطن الذي تظاهر ضد الحرب ليس هو المسؤول الذي أيدها.

فلماذا نجعل الجميع شيئًا واحدًا؟

لا تسمح لإسرائيل أن تفصل المسلمين عن القرآن

وهنا ربما تكون النقطة الأكثر حساسية.

إذا أدت قضية إسرائيل إلى أن يكره المسلم كل يهودي، ثم كل مسيحي، ثم كل غربي، فقد توسعت دائرة الصراع إلى ما هو أبعد من القضية التي بدأ منها.

وإذا نجح الخطاب السياسي في إقناع المسلمين بأن:

اليهود والنصارى والغرب كتلة واحدة،

فقد نجح في إلغاء الآية القرآنية التي تقول:

﴿أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً﴾.

وهنا يجب أن نسأل:

هل أصبح غضبنا من إسرائيل أقوى من التزامنا بالقرآن؟

إذا كان الجواب نعم، فهذه مشكلة فينا نحن.

لا نحتاج إلى عدو جماعي

القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى كراهية جماعية لكي تكون عادلة.

قتل الفلسطيني جريمة.

تهجير الفلسطيني جريمة.

مصادرة الأرض ظلم.

الاحتلال قضية سياسية وأخلاقية.

والسياسة التي تدعم ذلك يمكن نقدها ومواجهتها.

كل ذلك يمكن قوله من دون أن نحول اليهود والنصارى إلى كتلة واحدة.

بل إن الدقة القرآنية تجعل حجتنا أقوى.

لأننا لا نحتاج إلى أن نقول:

كل اليهود مذنبون.

ولا:

كل المسيحيين مذنبون.

بل نقول:

من ارتكب الجريمة يتحمل مسؤوليتها.

ومن دعمها يتحمل مسؤوليتها.

ومن شارك فيها يتحمل مسؤوليتها.

ومن سكت عنها يتحمل مسؤوليته بقدر موقفه.

ومن قاومها يستحق أن نرى موقفه كما هو.

هذه هي العدالة.

أخطر شيء أن نبحث عن عدو بدل أن نبحث عن الحقيقة

إذا كان إبليس قد أعلن أنه سيقعد للإنسان على الصراط المستقيم، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لنا أن نفقد قدرتنا على رؤية الحقيقة.

أن يجعلنا نكره من ليس عدوًا لنا.

وأن يجعلنا نساوي بين من فرّق القرآن بينهم.

وأن يجعلنا نرى الشعوب ككتل متجانسة.

وأن يجعلنا نبحث عن عدو جماعي بدل أن نبحث عن الفاعل الحقيقي.

وأن ننشغل بالمسلم والمسيحي واليهودي والعربي والغربي، بينما يختفي صاحب القرار الحقيقي خلف هذه التصنيفات.

إذا كانت هذه إحدى وسائل الإضلال، فإن أفضل مقاومة لها هي:

العودة إلى القرآن.

الخلاصة: راجعوا مواقفكم أمام القرآن

المسلم مطالب اليوم بمراجعة موقفه.

ليس المطلوب منه أن يدافع عن إسرائيل.

وليس المطلوب منه أن يبرر جرائمها.

وليس المطلوب منه أن يسكت عن الدعم الغربي لها.

وليس المطلوب منه أن يتخلى عن قضية فلسطين.

بل المطلوب منه أن يحافظ على البوصلة القرآنية وهو يواجه كل ذلك.

الله عالم الغيب والشهادة.

وهو الذي يقول:

﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾.

فإذا قال القرآن:

﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا

[]

ثم قال:

﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ

[]

فلا يجوز للمسلم أن يمحو هذا الفرق.

لا بسبب السياسة.

ولا بسبب الحرب.

ولا بسبب إسرائيل.

ولا بسبب التاريخ.

ولا بسبب الغضب.

لأن الله لا يخطئ في كلامه، وإنما نحن الذين قد نخطئ في قراءته.

ومن هنا تبدأ المراجعة الحقيقية:

هل نحن نلتزم بما قاله القرآن؟

أم بما ورثناه؟

هل نقرأ الواقع من خلال القرآن؟

أم نعيد تفسير القرآن من خلال الواقع؟

هل نبحث عن الحقيقة؟

أم نبحث عن عدو؟

وإذا كان الشيطان يريد إضلال الإنسان، وإذا كان القرآن يكشف وجود شياطين من الإنس والجن، وإذا كان السامري قد استطاع أن يضل جماعة، فهل يمكن أن يكون تفريق القوى الكبرى وإشعال العداوة بينها إحدى أدوات الإضلال؟

فالمسلمون أكثر من ملياري إنسان.

والمسيحيون أكثر من ملياري إنسان.

فإذا تحول هؤلاء إلى أعداء دائمين، فمن الذي سيستفيد؟

وإذا نجح أحد في إقناع المسلمين بأن كل النصارى أعداؤهم، وإقناع النصارى بأن كل المسلمين أعداؤهم، ألن يكون قد نجح في تفكيك قوة بشرية هائلة دون أن يطلق رصاصة واحدة؟

وهنا ربما يكون السؤال الأخطر:

هل نحن نواجه مشروع الإضلال، أم أصبحنا جزءًا من أدواته؟

لذلك يجب على المسلم أن يعود إلى القرآن.

لا عندما يكون القرآن موافقًا لغضبه.

بل خصوصًا عندما يقول القرآن شيئًا لا يريد سماعه.

لأن القرآن ليس كتابًا لتأكيد مواقفنا.

القرآن هو الذي يصحح مواقفنا.

وإذا كانت الحقيقة التي يكشفها القرآن لا توافق ما نريد، فعلينا أن نراجع أنفسنا، لا أن نراجع القرآن.

وهنا يكون الالتزام الحقيقي:

حتى لو لم يروِ لنا القرآن الحقيقة التي نريدها، نلتزم بما قاله؛ لأننا نؤمن أن الذي أنزل القرآن يعلم ما لا نعلم.

فالإنسان يرى لحظة.

والله يرى السنن كلها.

والإنسان يرى الشاهد.

والله يعلم الغيب والشهادة.

والإنسان قد يقرأ التاريخ.

والله هو الذي خلق الإنسان وعلِم كيف يُغوى وكيف يُضل وكيف يتفرق.

ولهذا فإن العودة إلى القرآن ليست ضعفًا سياسيًا.

بل قد تكون أقوى وسيلة للخروج من الخداع.

لا تجعلوا إسرائيل سببًا في أن تتركوا القرآن.

ولا تجعلوا غضبكم من الظلم سببًا في ظلم النص.

ولا تسمحوا لمنهج «فرّق تسد» أن يحول مليارات البشر إلى أعداء، بينما يبقى صاحب المصلحة الحقيقي بعيدًا عن أعينكم.

فالقرآن أعطانا البوصلة.

ويبقى السؤال:

هل سنلتزم بها؟

رفيق القراءة